مٓن أوصلنا لسياسة ‘البطاطا’؟..ورطة العدالة والتنمية أم ورطة الدستور؟

adminoآخر تحديث : الأحد 12 مارس 2017 - 8:55 مساءً
مٓن أوصلنا لسياسة ‘البطاطا’؟..ورطة العدالة والتنمية أم ورطة الدستور؟

هل كان بوسع أي أحد أن يتنبأ بما يجري في الساحة السياسية ببلادنا بعد محطة 07 أكتوبر؟،وهل كان يتصور أي محلل سياسي مشهدا مماثلا لما يجري بعد تعطل تشكيل الحكومة لما يزيد عن الخمسة أشهر؟. وحري بالذكر أنه في زحمة الاستهلاك الإعلامي المتضخم لما بات يعرف ب ” البلوكاج الحكومي” تناسلت القراءات لتستقر في مجملها في مساءلة المشهد السياسي من بوابة الفصل 47 من الدستور،ومن الفراغات التي خلفتها الهندسة الدستورية في حالة تعذرتشكيل الحكومة وفق منطوق هذا الفصل، فيما اختزلت مقاربات أخرى أزمة المشهد السياسي في إمكانية التحاق أو إزاحة هذا الفريق أو ذاك،أو في إمكانية تطويع الحزب الذي تصدر الانتخابات حتى يقبل بلعبة التوازنات السياسية المطلوبة في البيت الحكومي المرتقب.فيما اعتبرت قراءات أخرى بأن سبب الأزمة لا يرجع لمنطوق الدستور بل إلى الصراع السياسي، الظاهر والخفي، بين العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة. فراحت أصوات من العدالة والتنمية تردد على مدار هذه الشهور اسطوانة البلوكاج، والتحكم، وتذكرنا غير ما مرة ب ” إرادة الناخبين” و” صوت الشعب”و” معركة الإصلاح” و” الاختيار الديمقر اطي”و ” وشرعية الصناديق”..ولتعلن بأن العدالة والتنمية هو الحزب الذي يرجع له الفضل في حماية الاستقرار السياسي، وبأنه حزب ملكي، وديمقراطي، وبأن أعداء الإصلاح يتربصون بتجربة ” الانتقال الديمقراطي” وبأنهم يريدون إفراغ دستور الفاتح من يوليوز من محتوياته وحمولاته الديمقراطية ضدا على مسارات الإصلاحات المؤسساتية والتنموية. وعليه، تختار هذه الأصوات،في لعبة تتوزع فيها الأدوار،مرة مهاجمة هذا الفريق الحزبي أو ذاك،ومرة أخرى مهاجمة القصر بشكل مباشر أو غير مباشر.ولعل ماجاء على لسان عبد الاله بنكيران، في آخر تجمع حزبي أمام أنصاره، يترجم إلى حد بعيد هذا التوجه الذي لا يخفي لغة التهديد المبطن إلى الدولة عندما يصرح الرجل بلغة واضحة بأن ” ساروت” تشكيل الحكومة يعني من منظوره ” كرامة الشعب”.و ” كرامة الشعب” تعني المواجهة.مما يستدعي الرجوع التكتيكي لخطاب 9مارس،والقفز المقصود على دستور الفاتح من يوليوز، والتذكير بسياق الربيع العربي الذي يعني في الخطاب السياسي لحزب العدالة والتنمية المعادلة الآتية،إما الحكم أو الشارع. ومن نفس المنظور، يعتقد إخوان التوحيد والإصلاح بأن حصيلة أصواتهم الانتخابية كافية لاختزال الديمقراطية التمثيلية في لونهم ” الحزبي”، وتفصيل الرقعة السياسية على مقاسهم، وتوضيب العملية الديمقراطية بما ينسجم ومصالحهم السياسية ، المرحلية والمستقبلية. ولان ذاكرة إخوان بنكيران لا تتسع ربما لاستحضار تفاصيل التاريخ السياسي المعاصر لبلادنا، فإننا نود التذكير في هذا المقام بأن ممارسة السياسة بالعنف، سواء منه العنف السياسي المباشر، أو العنف الإيديولوجي، من قبل الدولة أو من قبل الفرقاء السياسيين، لم تفض في النهاية إلا إلى ترسيخ مقومات الدولة الوطنية القائمة بالضرورة على التعاقد السياسي، قبل التعاقد الدستوري. ولعل تجربة التناوب التوافقي التي تأسست على مبدأ التداول السلمي على السلطة لم تخضع نهائيا لفصل دستوري يؤسس لهذا المبدأ، بل خضعت لمقاربة سياسية توافقية غلبت مصلحة البلاد لإخراجها من تبعات ” السكتة القلبية”، واقرار المنهجية الديمقراطية التي تعطلت كثيرا. وينبغي التذكير بأنه في مرحلة عصيبة من تاريخ بلادنا كانت منظومة الحكم تنبني على سياسة السلطة القائمة على التحكم، والقمع ،والشطط، واستغلال النفوذ..وكانت هذه السياسة تستجيب للتوجه العام للنظام باعتباره اختيارا يترجم أسلوب الحكم القائم على استعمال العنف بكل مستوياته ،وتعطيل المسار الديمقراطي والتنموي…ولم يكن هذا التوجه معزولا عن السياق السياسي العام الذي كان موسوما بالتوتر بين قوى المعارضة والقصر…وكان الصراع حول المشروعية ، من الطرفين، صراعا قويا استلزم كثيرا من الحكمة لتجنيب المغرب منزلقات الانهيار المؤسساتي. فكانت قضية الصحراء المغربية، والإجماع الوطني، ثم أطروحة النضال الديمقراطي، فالمسلسل الديمقراطي، ثم التناوب التوافقي ، و المصالحة والإنصاف، وتقرير الخمسينية… وهي مصالحة سياسية وحقوقية جنبت المغرب الدخول في أنفاق المجهول قبل الربيع العربي بسنوات….لم يتحقق كل شيء ، لكن ، ربما ، تحقق الأهم،ترويض العملية الديمقراطية في اتجاه البناء التنموي، وتأسيس قواعد الصراع الديمقراطي، وثقافة التناوب على الحكم.. وجاءت 20 فبراير، فكان الزمن المغربي، منفلتا بذكاء نخبه الوطنية والديمقراطية عن السقوط في ما ستسقط فيه بلدان شقيقة لم تجرب وصفات التعدد الحزبي والنقابي، والتناوب السياسي، والمصالحة الوطنية .فخرج دستور 2011، خروجا ذكيا بأقل الخسائر الممكنة، ما بين التراث الدستوري القديم الذي يرتكز على فلسفة الدساتير الممنوحة منذ 1962، ومتطلبات المرحلة الراهنة التي استعجلت وضع المغرب على سكة تجربة دستورية جديدة ستحمل الإخوان المسلمين إلى الحكم عبر انتخابات تشريعية سابقة لأوانها. انتخابات وضعت هندستها الداخلية والخارجية بعناية فائقة ، ربما لم يعرف تفاصيلها حتى اخوان بنكيران الذين كانوا يهددون بقلب الطاولة على النظام عشية إعلان النتائج. إلى أن أغرقوا فوزا خارج توقعاتهم ولغة أرقامهم. فانسحبت جماعة العدل والإحسان مما سمي حراكا، وظل رفاقنا حائرين يحلمون بالملكية البرلمانية…فدخلت البلاد لتجربة جديدة أصبح الجميع يردد معها مسألة ” تنزيل الدستور”….فصعد الإسلاميون إلى الحكم صعودا ( ربما)خارج ما كانت تشتهيه الدولة المخزنية القديمة التي فكرت ذات يوم في صناعة الحركة الاسلامية لفرملة الديمقراطية نفسها، وإفشال التقاطب الديمقراطي.. قد لا تهمنا بعض التفاصيل في هذا المقام. لكن منذ أن منح الأمريكيون سعد الدين العثماني جائزة ” المسلم الديمقراطي” سنة2006، وهو الرجل الذي سيصبح وزيرا للخارجية في حكومة بنكيران، كنا نعرف بأن العمليات الانتخابية ستكون تحت مجهر الأمريكان. والإخوان المسلمون أنفسهم يعرفون ذلك،وعندما تحرك الشارع العربي، أو عندما تم تحريكه، كانت الوصفة المغربية جاهزة للتجريب.إنها وصفة تحت الطلب، وتحت ضغط المرحلة. فالرجل الذي ظل يقايض موقعه الجديد مقابل ربح “المشروعية” هو بنكيران الذي حمل الى الحكم ضمن موازين قوى جهوية، واقليمية، ومحلية لم تكن لتحمله بالسيناريو الذي عاشه المغرب لو لم تعرف المنطقة ما عرفته من تحولات متسارعة. “مشروعية” انفلتت ربما حتى من أولئك الذين خططوا منذ سنوات لترويض الحركة الإسلامية وفرملة مسار الحركة الديمقراطية. فجاء ما سمي ” بالربيع ” الذي سرعان ما سيتحول خريفا. ولم تكن الظروف السياسية العامة تسمح بسيناريو مغاير للسيناريو الذي تم توضيبه لجر إخوان الإصلاح والتوحيد إلى الحكم. مع دستور جديد هندس لبياضات كثيرة ستجر النخب إلى الصراع الجديد حول التـأويل الديمقراطي للوثيقة الدستورية التي ستحمل في فصلها الأول ركنا حاسما وهو ” الاختيار الديمقراطي. ومع 7 أكتوبر سيتصدر إخوان بنكيران الانتخابات التشريعية في مرحلة تغيرت فيها العديد من المعطيات الجيو- استراتيجية، وضمن معادلات محلية لم تسمح بإخراج الحكومة لحدود الساعة. واليوم، فان ما نعيشه في بلادنا ليس تجاذبا سياسيا، ولا صراعا حول الهندسة الحكومية، ولا خلافا حول الاختيارات الاقتصادية، والأولويات الاجتماعية ، بل هو فصل من فصول التوتر بين الدولة والعدالة والتنمية.وهو التوتر الذي أخطأ مهندسو دستور الفاتح من يوليوز حسابه ظنا منهم أنهم يجيبون على اكراهات المرحلة فيما هم سيدخلون البلد في نفق دستوري لم يتوقع كل الاحتمالات الممكنة لمشهد سياسي تفتقد فيه القوى الديمقراطية شروط المجابهة ، وعناصر المناعة السياسية الكفيلة بالرهان على الشارع.فيما يراهن إخوان بنكيران على ربح كل المساحات الممكنة ضمن معادلة دستورية لا تقدم كل الإجابات المفترضة، وضمن معادلة يفضل فيها إخوان التوحيد والإصلاح الاستقواء على الجميع، تارة بمغازلة الدولة وتارة بمهاجمتها وترهيبها.

بقلم : عبد المطلب أعميار

رابط مختصر
2017-03-12
admino