بين مشقتي الحقيقة والسياسة

adminoآخر تحديث : الجمعة 10 مارس 2017 - 10:44 مساءً
بين مشقتي الحقيقة والسياسة
مبارك الموساوي

1.تقديم : يعيش عالمنا اليوم موجة من العنف شاملة هي وجهه المكشوف على صورة من البؤس الإنساني، وفي حيز شبه مجهول يسمع صوت خافت لنبضات أمل أن يكون هذا العالم، كما نظر له الحكماء وأكابر الإنسانية، مشتلا من سيادة قيم السعادة والعدالة والأمن والأمان.

هل كان هؤلاء في غير وعيهم الطبيعي، أم تمكنوا من مواقع خولتهم النظر الصحيح والتصور السالم لماهية الوجود الإنساني وكيف يدار فيه الصراع بين مكونات هذا الوجود؟

حينما تسبح في بحار ما خلفه هؤلاء الأكابر، بكل أصنافهم، تجده يدور على البحث في أمر علاقة الحقيقة بالسياسة وبماهية كل منهما.

السياسة غالبا ما تعانق في آخر المطاف العنف المركب، أما الحقيقة فغالبا ما تمقت أي صورة من صور العنف، لكن لماذا غلبت السياسة على عالمنا اليوم وصارت كل زاوية من زوايا النظر تحيل على نوع من أنواع العنف وعلى نوع من أنواع المخلوقات المخضب في دمه المسفوك، معنى أو حسا، بعامل العنف المسيطر على تصرفات العالم في العلاقات الخاصة والعامة، ولماذا تتوارى الحقيقة الرقيقة الرفيقة إلى الظل ويكتفي أصحابها اليوم بمواقع ليس لها تأثير مباشر في مجريات الأحداث يرفع مظالم المخلوقات التي قهرها العنف سواء كان رمزيا معنويا أو جسديا ماديا، هل قهرتهم السياسة العنيفة أم لم يوفقوا في اكتساب الوسائل الكفيلة باحتلال مواقع التاثير؟

تؤكد السياسة أنها لا تفارق أحدا ولا يمكن أن يكون أحد في منأى عن تأثيراتها، سواء كان مباليا بذلك واعيا به أم العكس، وفي قمة الاهتمام بها نجد صنفين، صنف السياسي الممارس وصنف الباحث عن الحقيقة الساعي للكشف عنها حتى تكون معنى الفعل السياسي ومبناه وهدفه ومقصده وغايته، أي حتى تكون كرامة الإنسان واقعا معيشا يتطور في إبداع يحافظ عليها وينميها. تلك الأسئلة، وغيرها، تحاول الصفحات التالية البحث عن أجوبة لها دون أن تدعي امتلاك الجواب النهائي.

2.الاهتمام بالسياسة

هناك من يهتم بالسياسة من حيث هي ممارسة يومية متعلقة بالتدبير اليومي وحتى الاستراتيجي؛ تدبير يتم عبر تدافع بين المصالح والمطامع والمواقع، وحتى بين أهواء الأشخاص في آخر المطاف وفي كثير من الأحيان، ويتم إما من خلال الحكم او المشاركة فيه أو معارضته؛ معارضة إصلاحية أو معارضة جذرية، وقد يتم عبر اللامبالاة بما يجري في دهاليزه من طرف أشخاص أو عموم الناس.

السياسي ممارس يومي متكئ على مواقف، عرضا ودفاعا وتنفيذا؛ مواقف في عراك دائم بينها، وقد يكون بين برامج ماهي إلا صيرورة مواقف مجتمعة غالبا ما تجسد مطامح جماعية لفئة أو لشخص بعينه.

وهناك من يهتم بالسياسة، من حيث هي قضايا كبرى تؤلم الوجود الإنساني، اهتماما دائما وشاقا بحثا عن تلك الحقيقة التي يتوخى السياسي الممارس تحقيقها وإقامة أركانها ربما على درجة كبيرة من الغموض في إدراكه لجوهرها وآفاقها، اهتماما متدحرجا بين ركام الصراع الذي يحدثه هؤلاء السياسيون الممارسون “المياومون” بكل أصنافهم على تلك الدرجة من الغموض.

نعم، قد يكون صراعا دمويا ومدمرا لكل القيم ولحياة الإنسان، يزيده تعقيدا انغراس السياسي الممارس باستمرار في تفاصيل الواقع وإكراهاته بسرعة مربكة تجعله على خفة لا تسمح بمقاومة عواصف واقعه المعيش، الخاص والعام، وعواصف ما تطرحه السياسة من تحديات على الوجود الإنساني الفردي والجماعي في الزمان والمكان.

لذلك، فالمهتم من موقع الممارسة يعاني تعبا في الحركة وفي النفس وفي الذهن لأجل اكتشاف طرائق تنفيذ المواقف والبرامج وإقناع الناس بها، وحتى فرضها عليهم بالعنف أو التحايل أو الدجل والكذب كما في كثير من التجارب البشرية، وما يزيده تعبا حرصه الشديد على احتلال المواقع التي يراها تناسبه، ويتضاعف حرجه ويشتد ضيقه وتكبر الخطورة لما يصبح قائد ربان سفينة مؤسسات الدولة، اختيارا أو اضطرارا وحتى غصبا، وهو المطوق بنتائج علاقاته والتزاماته السابقة، وعلاقات والتزامات تفرضها عليه مواقع الدولة والسلطة الجديدة، ومطوق بمطامعه الخاصة الكامنة في أعماقه سواء كان واعيا بها أم لم يكن، أو معبرا عنا أو مضمرا لها.

أما المهتم من موقع البحث عن ماهية السياسة وجوهر وجودها كفعل إنساني خاص وعام، فهو ساع إلى إدراك الحقيقة التي تجعل عمليات التدافع والصراع وتجليات الاختلاف تعاونا على قيام نظام ما يكون خيمة للجميع وتحميهم من أن يتحول اختلافهم إلى عنف حاد في مظاهره وأشكاله يكون فيه البشر إما مفترسا أو فريسة.

ويحصل إن تحددت بعض ملامح تلك الحقيقة على الأقل، أو تم الظفر ببعض أجزائها، تكون ملاذا ولو لفترة من الزمن يحتمي به الجميع من هول العنف والبطش، الواقع أو المتوقع؛ هول سفك الدماء وتدمير الطبيعة وإفساد مكوناتها وتخريبها، بله قد يكون هذا الظفر حافزا على الثورة ضد الواقع المعيش الذي تحتكر فيه إرادة أفراد أو فرد مصائر أمة أو أمم وتتسلط على خيراتهم وتؤذيهم في أرزاقهم وحرياتهم، ذلك أن الكثير من السياسيين الممارسين يحسبون هذا الظفر الجزئي أو المتوهم لحظة الخلاص العام في الغالب، لكن سرعان ما تنتكس الحالة إلى واقع أكثر بؤسا ولا يرقى إلى حجم التضحيات، الخاصة والعامة، التي ملأت عالم الأفراد والجماعات في زمن معين حتى يحن الكثير إلى ماضي ما قبل هذا الظفر ويكون الناس أشد ارتباطا بعدم التغيير والتجديد.

هنا يزداد ألم الباحث عن الحقيقة حدة وشدة لما لا يجد من السياسي الممارس فرصة السماع الكامل والنظر الكافي والتؤدة اللازمة حتى يحصل التعاون على مسك ما يكفي من أطراف الحقيقة لخوض غمار المستقبل الجامع على أرضية صلبة من البناء؛ فهرولة السياسي الممارس إلى مواقعه المحتملة أو المتوهمة سرعان ما تحجبه مجددا عن المسافة التي صارت تفصل بينه وبين الحقيقة، فيتيه مجددا في حسابات اللحظة منتبها في الغالب إلى مساره ومستقبله السياسيين، خاصة لما يكون مشدودا إلى اعتبارات لا تسمح بالانفتاح على قيمة وماهية المخالف من السياسيين والناصح من الباحثين عن الحقيقة الكاشفين لها من مواقع المسؤولية والواجب.

هذه المعضلة المتعبة للجميع هي الفارق بين السياسي الممارس والباحث عن الحقيقة الذي يزداد اتساعا كلما ذهب الأول بعيدا في تفاصيل اليومي دون أن يلتحم في بحثه عن المواقع مع الثاني؛ فلأجل الحقيقة كانت السياسة وبها تكون سياسة فقط؛ فهي بوصلتها الأصلية وإلا تحولت إلى دسيسة بدلا من أن تكون سياسة حسب مدول اللفظ العربي ل”ساس”، بل لما تصير هي ماهية الأهواء وتجل لغرائز التسلط والعدوان ومسخ الإنسان تصبح “نجاسة” لا يستطيع الباحث عن الحقيقة أن يقترب منها للطبيعة المغروسة فيه؛ طبيعة النفور من كل ما تشمئز منه “النفوس الطيبة”، لأنه لا يستطيع الرضى بوجود إنسان واحد غارق في نجاسة تؤذي كل من حولها، بل تؤذي الأجيال القادمة.

نعم، إذا نظرتَ في كل ما كتبه كبار الإنسانية تجده كله محاولات مستمرة، متعاضدة متعاونة بيانا أو نقدا أو تصحيحا أوحتى نقضا وتعارضا، وتجده سعيا حثيثا للظفر الجماعي بهذه الحقيقة التي يجب أن تكون غاية الفعل السياسي اليومي تحقيقا لأمان الناس وأمنهم واطمئنانهم واستقرارهم وتعاونهم، فلا يمكن أن نتحدث عن الاختيار الحر دون استقرار يضمن الاطمئنان.

هؤلاء الكبار لم يكتفوا فقط بتعب البحث، بل عملوا على اكتشاف ما يناسب من وسائل ضمن شتى الحقول ليسهلوا على الممارس اليومي مسالك الظفر بالقريب من أجزاء تلك الحقيقة لبناء ما يمكن بناؤه من قواعد تضمن القيام بخطوات نحو كرامة الإنسان المداسة في يوميات العنف الرمزي والمادي المهيمن، كما تضمن الاستمرارية في هذا البناء.

إن سعي الباحث عن الحقيقة يصبح بناء واقعيا لما تحصل لحظة الالتحام الكبير والقوي في عالم السياسة مع الممارس اليومي في الميدان، لكن الظاهر أن هرولة هذا الأخير إلى مواقع محددة سلفا، أو حرصه الشديد على مواقع يحتلها، غالبا ما يعميه عن هذه اللحظة الميدانية الحاسمة في مسار السياسة ومعناها.

نجد من التجارب عبر تاريخ الإنسانية هذه اللحظات الفارقة التي لم يغفل الحديث عنها أي نبي أو رسول، ولا أي فيلسوف أو حكيم؛ لحظة اللقاء الكبير، وهو ما جعل الإنسانية أمام تنوع غاية في الجمال والروعة لتستفيد من أناس هم بشر لا كسار البشر، إذ أفنوا حياتهم في الاشتغال على موضوع الحقيقة وعلى لحظة لقاء السياسة والناس بها.

هم في تعب شاق وألم حاد لا ينقطع عاملون على كشف ماهية هذه الحقيقة، وعلى كشف وسائل ولحظات ذلك الالتحام الميداني بينهم وبين السياسيين الممارسين، وعلى كشف ماهيات النظام الذي يجب أن يبنى ويكون خيمة الملاذ والعمران وتجسيدا قويا لمعاني الحقيقة أو بعض معانيها على الأقل، لذلك فهم حتى في منامهم يشتغلون.

هذه اللحظات هي يوميات السعادة الجماعية التي عرفتها البشرية وعبَرت مسيرة الحياة الإنسانية، لكن سرعان ما تضيع لما يحرص السياسي على البعاد وفك مواثيق الالتحام الميداني من طرف واحد والاعتداد بنفسه وما يتصوره من قوة بين يديه، وقد يستعمل مكره وبطشه ليكون الباحث عن الحقيقية موْلا له خادما له مشتغلا بالإكراه على ادعاء أن الحقيقة المبحوث عنها كامنة في هذا السياسي القابض على السلطة من باب “أنا ربكم الأعلى وما أريكم إلا ما أرى”، وإلا كان إبعاده وحتى إعدامه حسا أو معنى هو الخيار الوحيد.

لقد كانت هذه الصورة أبشع صور انقضاض السياسي الممارس على السلطة وإخضاع الناس له وادعاء امتلاكه كامل الحقيقة، لذلك جعلها القرآن أنموذجا بشعا في الباب وجعل مواقف موسى، عليه السلام، غاية في الروعة الإنسانية والجمال الرسالي.

إنه تعب تتفتت له أكباد الأكابر لما يصبح إنسانا طاغية بهذه الصورة المشينة مخضعا الكل بهذه الصورة المهينة ومجسدا لتاريخ البشرية المؤلم مع هيمنة الأهواء والغرائز، لذلك كان جزاؤه أن يُغرق في البحر جاريا وراء كاشف الحقيقة لقتله ويبقى عبرة مدى الدهر وآية للناس مدى الزمن، على رأسهم الفراعنة في كل زمان وفي كل مكان حتى وإن التجأوا إلى الفرعونية الناعمة. الباحث عن الحقيقة ينحت المفاهيم للدلالة على رسالته والكشف عن مقصوده ووسائله؛ العدل والعدالة والحق والحرية والمسؤولية والعهد والميثاق والنظام والرحمة والمحبة والأخوة وأخواتها، في حين تجد السياسي الممارس غالبا ما يُفقد هذه المفاهيم/القيم معناها ويجعلها فرقعات خطابية مدغدغة لعواطف عموم الناس ومبتزة لهم أحيانا ومتاجرة في همومهم أحايين كثيرة، لكنه، ومهما كان شاطرا وداهية، لا يستغفل الباحث عن الحقيقة في هذه الصورة، لأن هذا الأخير عالم بخبايا النفس الحرباء وترابطات التفكير بالمتلاشيات عند السياسيين الممارسين لما يصيروا رجال دسيسة لا رجال سياسة خادمة للحقيقة.

لذلك، وبهذا، تكون السياسة لصيقة بالجميع وتعني الجميع وإن كان كل يعبر بطريقته الخاصة في التفاعل معها، لأنها تعني حياة كل فرد كما حياة كل الجماعات، بل مصير الإنسانية؛ أي مصير الحقيقة وماهيتها.

3.مسارات الحقيقة ومسارات السياسة

لماذا السياسي الممارس يحرص على الالتصاق بالجماهير أكثر من حرصه على البحث عن الحقيقة والالتصاق بأصولها ومصادرها؟

ولماذا الباحث عن الحقيقة الحريص على كشفها وبيانها يقبل أن يقضي حياته في الاشتغال على هذا وليس له حرص على مخالطة الجماهير، بل يفضل التواري إلى الظل ولو استغرق ذلك عمره لينجز فريدة عمره صمن مصنفات تدل على الحقيقة أو بعضها حسب إدراكه، التي لا يظفر بقيمتها وأهميتها إلا الأجيال القادمة بعده ولو كان الفارق بينه وبينها أزمانا عديدة؟

هل الأمر صراع بين الرجلين، يختفي مرة ويظهر مرات، أم سوء فهم بين القابض على اللحظة بمعناها السياسي اليومي وبين القائم فيها بمعناها التاريخي والمصيري، أم الأمر وعي صحيح بالمواقع والمهام والأدوار في الحياة، لماذا تفشل الإنسانية في تنظيم العلاقة بين الحقيقة ومصادرها من جهة وبين السياسة ووسائلها من جهة أخرى؟

ولماذا لا ينتبه السياسي اليومي، الذي دائما ما يفسد لحظة الالتحام الميداني بإصراره على استاذيته الميدانية وخوفه المزمن من فقدانها، إلى قيمة الباحث عن الحقيقة وأهميته، فيكتشف طرائق مصاحبته من باب “كل ميسر لما خلق له” ليقوم بمهماته من مواقع البناء الحقيقية، أم شعور السياسي الممارس اليومي بالخواء لما يفقد وزنه بعامل فقده وزن الحقيقة وقيمتها عنده واتباعه هواه أن مصيره منته مباشرة حينما يكون الباحث عن الحقيقة والكاشف عن مضامينها ملامسا لوجوده الفعلي حيث تنكشف سوءته ورعونته وضعفه، بل في أحايين كثيرة ينكشف خبثه؟

لماذا السياسي الممارس دائما يلجأ ابتداء إلى سوء الظن لا إلى حسن الظن؟ تلك الأسئلة غير خافية على أي طرف، لكن الجواب عنها إنما هو جزء من ماهية الحقيقة نفسها المبحوث عنها المطلوبة لذاتها ولفضائلها وعوائدها على الناس فرادا وجماعات وعلى مصائرهم.

يؤلم البشرية ويؤلم نفسه السياسي الممارس بدرجات مختلفة؛ سواء كان عسكريا محضا أو مدنيا محضا، لذلك تجد هؤلاء مشتركين في إشعال الحروب ومشتركين في وقفها حسب أدوار كل واحد فيها لما تتحقق أهدافهم أو يستحيل تحققها وتصبح التكلفة باهظة في حقهم، خاصة إذا تعلقت بمصيرهم السياسي، والطامة إن كان العسكري هو القائد السياسي الأعلى والمالك لكل شيء من أعلى فلا يسود إلا سوء الظن حتى يعم كل المجتمع.

الحروب هنا تعني حروب الجيوش النظامية وحروب الفئات السياسية والمجتمعية؛ المذهبية والطائفية والعرقية وغيرها من النتنات، التي يصير فيها الإنسان متلذذا بقتل إنسان آخر وبتعذيبه حسا أو معنى، حتى تصبح المنافسة السياسية عند الكثير رغبة في إنهاء المنافس والخصم وإبادته حسا أو معنى، فكثيرا ما يكون الإعدام المعنوي أشد إيلاما من غيره.

ألا يمكن أن يكون الاختلاف مصدرا عظيما للتعاون وتقاسم المسؤوليات والتضحيات، خاصة إذا كان اختلافا في المضمون والوظيفة، مما يسمح بالتكامل بدل الخوف من التماثل والتعارض الوجودي (إما أنا أو أنت، معي أو ضدي)؟

فإذا نظرنا بمعيار ما تعيشه الإنسانية من آلام اليوم ومن تشريد للناس، إما بالقتل الحربي أو التشريد السياسي أوالاجتماعي أو مص دمائهم من خلال “هيستيريا” نهب خيراتهم وتجويعهم من طرف قلة قليلة، فسندرك أنه صار للسياسة مساراتها وللحقيقة والبحث عنها وكشفها مساراتها، ليبقى السؤال الكبير كيف اللقاء والجمع بين يدي هذا التمزق المروع والتفتت المقيت بين بني البشر حتى في المجتمع الواحد؟

قد يقول قائل: إن السياسة فكت علاقة البحث عن الحقيقة الإنسانية مع رجالها وصارت مجرد معارك بين أناس احترفوا القتال على المواقع مهما كان الأسلوب المعتمد في هذا التقاتل، إذ لا يهمهم إلا ما تجري تحت أقدامهم وعروشهم من وديان خيرات البشر وبأية طريقة، مما يفرض على الجميع خيارا واحدا، هو خيار الاستسلام الكبير الذي ينتظر فرص إصلاح ما يمكن إصلاحه وانتزاع ما يمكن انتزاعه في ظروف غاية في التعقد والحيرة الوجودية العامة، ولم يبق أمل في أي عمل جذري يروم الدفع الواضح اتجاه لحظة اللقاء الحاسم بين مساري الحقيقة والسياسة ليصبحا مسارا واحدا جامعا ضامنا لتنوع الفعل البشري وتكامله مهما كانت أشكال التدافع بين اقتراحات الناس وإراداتهم واختياراتهم في حدود الكرامة والحرية؟

وقد يقول هذا القائل: إن “الميكيافيلية” هزمت “الكانطية” تماما في الميدان ضمن مسارات السياسة في الغرب، وأن الفرعونية بكل صورها وقيمها تحاصر النبوة وقيمها ومقاماتها في مسارات السياسة في العالم الإسلامي.

وقد يقول، كذلك، إن حجم نهب الخيرات وحجم التفاوت بين الناس المتصاعد في أوضاعهم الاجتماعية؛ إذ قلة قليلة تملك أكثر من ثمانين في المائة من ثروة العالم والغالبية ترزح تحت ضغط الحاجة والدين مدى الحياة والفقر المدقع بل الموت جوعا، قد أنهى قضية العدالة في عالم السياسة اليوم حيث السياسي الممارس القابض على السلطة لا يكون إلا خادما، طوعا أو كرها، لهذه الأقلية المغتصبة لكل شيء الساعية كليا ودوما إلى اغتصاب كل شيء.

نعم، مقصود هنا هذا التمايز والفصل بين المسارين للسياسة والحقيقة في الغرب والعالم الإسلامي، لأنه مدخل هام وباب عظيم على مستقبل الإنسانية، ولأن أي خلط بين المسارين تكريس لواقع الغموض الكثيف في الكشف عن الحقيقة كما هي ضمن صيرورتها في المجالين.

فقد كان هذا الخلط من أهم عوامل انحجاب السياسي عن مساره التاريخي ونسقه المعرفي، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي، فزاد ذلك الأمر تعقيدا في البحث عن لحظات الالتحام الميداني الحاسم.

إن من العرب والمسلمين من يظن أن لحظة اللقاء في تاريخنا هي تلك اللحظة التي حصلت مع التراث الإغريقي اليوناني، ومن ثمة لا يمكن البناء إلا بالرجوع إلى تلك اللحظة واستثمار أهميتها الكونية للانطلاق إلى مستقبل الحرية والعدالة والديموقراطية، وهناك من يلح على أن لحظة اللقاء لن تتم إلا إذا حصلت مع تراثنا كما هو في لحظته التأسيسية مع اختلافات حادة في ماهية هذا التراث وطرائق الالتحام به.

إننا نجد صرامة عند أكابر القوم في التجربة الغربية، ودون استثناء، في الحديث عن قضية الحقيقة والسياسة ضمن السياق الغربي مع انفتاح مدروس على باقي التجارب، خاصة الإسلامية، لكن في عالمنا العربي والإسلامي نجد كثيرا من نخبتنا انتقل إلى ذلك السياق ليحاكم سياقا آخر ويؤسس من خلال ذلك للبحث عن تلك الحقيقة وعن العلاقة بينها وبين السياسة، وهو ما أنتج ارتباكا حادا وتضاربا مدمرا لمسارات الفكر والسياسة في سياقنا، وبهذا نفهم ماهية الصراع في جل الأوطان العربية والإسلامية الذي تشعب عموديا وأفقيا وصنع واقعا انشطاريا مؤلما ومحيرا تجلى في واقعنا السياسي وعملياتنا السياسية.

إنها قضية منهجية هنا وليست تعصبا، ذلك أن من لا يملك كفاءة الانفتاح على تجارب غيره مستلهما منها الدروس والعبر في بناء مساره والمسار الجامع لكل أطراف الإنسانية ومدارسها وتجاربها فليس أهلا ليكون باحثا عن الحقيقة ولا كاشفا عن مضامينها ولا ممارسا لقيام أركانها على الأرض.

ف”مابعد الحداثة” في الجواب عن سؤال لقاء الحقيقة والسياسة، لما لم يتحقق مع الحداثة كما نظر له أكابر القوم، رجع إلى البحث عن “صوفية” التجربة الغربية منذ “أفلوطين” الإغريق، بل ورجع يبحث عن ذلك عند التجارب الوثنية عساه يظفر بماهية الحقيقة الكفيلة بخرق حجب السياسة لتقف بالإنسان والإنسانية على مواقف التكريم والتحرر الحقيقية، وهو ما يدلل على ماهية مأزق السياسة في الغرب على الرغم من حجم الوسائل “التقنية” التي ملأت كل تفاصيل حياة الإنسان الغربي وجعلت معه كل الإنسانية منفتحة على آفاق غريبة في عالم التكنولوجيا والمعلوميات والاتصال والتواصل في وقت لم تظفر فيه بعد بغير قواعد القانون وزواجره نظاما أحسن لكبح تطلعات الإنسان السلبية والأنانية.

إنه من الموضوعية العلمية والأهمية المنهجية أن لا يحرص ابن سياق ونسق معينين أن يعلم أناس غير سياقه ونسقه ماهية الحقيقة وماهية السياسة، لكن أقصى ما يُطلب منه أن يفهم هذا السياق وهذا النسق فهما صحيحا كما تقدمه صيرورته التاريخية، وأن يملك الكفاءة المناسبة ليقدم سياقه ونسقه في مستوى من العرض كفيل بأن يجعل الباحث الموضوعي في موقع يسمح له بتفهم ما يعرضه ويفرض عليه احترامه، وإذا تبناه اقتناعا فذلك مزيد تعميق لوحدة الكيان الإنساني في موقفه ضد عوامل الفرقة والظلم.

لذلك كان البحث عن معنى المشترك الإنساني في إطار عمليات تلفيقية إنما هو كعمل العريان الذي لا تفصله عن لباس مناسب يستر عورته إلا مسافة قليلة، لكنه فضل البقاء مكانه مكتفيا بترقيع ما معه من ملابس رثة وممزقة، مما يدلل على أن التلفيق الحضاري مرحلة من الوعي في اتجاه الحقيقة التي تحصل على الأرض عبر العمل التواصلي العفوي بين التجارب الإنسانية لما ينظمها الكبار الباحثون عن الحقيقة ويقوم من خلال هذه العملية التنظيمية السياسيون الممارسون بواجبهم في البناء من مواقعهم المناسبة، وأما الرهان على هذا التلفيق باعتباره سقف التعايش فلن يكون إلا فتحا لباب التدحرج الكبير أمام الحراك البشري لهاوية الغموض الكثيف والصراع الغامض.

مسيرة الحقيقة ضمن التجربة الغربية ترتبط بمسيرة الإله بمعناه “الأنطولوجي” لا الديني فقط، وهو ما زاد من غموض هذه الحقيقة فأدى إلى ردود فعل معرفية غاية في التعارض والتناقض من ميتافيزيقا وعدمية وما بينهما من أطاريح، لأن ماهية الإله في سياق التجربة الغربية متعددة، ولذلك تبدو قضية الإله، سواء كما تقدمه النصرانية عبر التثليث أو اليهودية عبر التوراة، أوالفلسفة اليونانية عبر فلاسفتها وحكمائها وفنانيها، أو كما تقدمه عمليا التجربة النازية أوالمادية التاريخية والديالكتيكية أو اللبرالية بكل تجاربها، حاسمة في بيان معنى الحقيقة التي يجب أن تلتحم مع السياسة في الميدان لتجعل منها نبلا إنسانيا قابلا للتعايش مع الغير من موقع الندية والحاجة المتبادلة لا من موقع الأستاذية والمركزية الأنانية، ذلك أن السياسة المستندة على هاتين الخصلتين لن تنتج في علاقاتها الداخلية والخارجية في زمن التحولات الجذرية التواصلية الحاصلة والمتسارعة المتصاعدة إلا ردود أفعال عنيفة ومربكة لمطالب العدل والحرية والأمن والاستقرار والاطمئنان، وهو ما يهدد الغرب من حيث ماهيته الثقافية ومن حيث ماهيته السياسية والوجودية ما لم تتحقق في حياته اليومية، أي عبر السياسة، هذه التعددية عبر تعدد تجاربه ونماذجه الواقعية ليعطيه قوة معنوية ذات بعد إنساني داخلي وخارجي قابل للغير كما هو وكما يقدم نفسه لا كما تريده السياسة الغربية التي تعتبر نفسها السيدة بنت السيد وعلى الآخر أن يكون كما تريده قابلا لحكم الغير لأنه، حسب منطق السيد، لا يستطيع أن يحكم نفسه لطبيعته الفوضوية وحتى العنيفة.

هكذا نفهم علاقة الحقيقة بالسياسة في التجربة الغربية مجملا، أما في سياق التجربة الإسلامية فإن معنى الحقيقة واضح غاية الوضوح، لأن مصدرها واحد غير متعدد ولاملتبس بقول بشري من أي وجه من الوجوه، حيث القرآن والنبوة ودلالتهما على الخالق على درجة من الوضوح والبيان لايمكن أن يترتب عليها أي التباس أو ارتباك إلا إذا تطاول البشر وجعل نفسه في موقع أحد هاذين المصدرين اللذين هما في الحقيقة مصدرا واحدا هو الوحي، إذ لا يمكن فصل القرآن عن النبي وشخصه الكريم، وما جاء من غيره فاجتهادات يؤخذ منها ويرد بحسب مناسبتها لخدمة المصدرين/المصدر في التنزيل الزمكاني؛ أي في بناء معنى السياسة ونظامها السياسي والمجتمعي بما يجلي معنى الوحي، قرآنا ونبوة، في الممارسة السياسية اليومية العامة والخاصة ضمن السياق الإسلامي. إن وضوح المصدر وضوحا تاما وشاملا وفر المناعة الذاتية لدفع الخلط والغموض، وهو ما تجلى في التجربة الإسلامية حتى وإن حاولت بعض القراءات والدراسات أن توحي بغير هذا لتحكم على النص الأصلي بالزمانية والمحدودية التاريخية.

ولذلك، لما عمل البعض على أن يجعل نفسه حاكما باسم الله أو ناطقا باسم الله كان عامل إرباك في حركة الأمة التاريخية والوجودية، كما أنه لما تكلست العلاقة مع الوحي؛ قرآنا ونبوة، وصار العقل الإسلامي مشتغلا في دائرة المنتوجات المعرفية والعلمية البشرية انتكست حركة الأمة إلى الحضيض وانحدرت عمليات الاجتهاد من علياء النص الأصلي إلى سجن الاجتهاد الجزئي والتكرار الفقهي، وهو ما جعل الأمة لقمة سائغة لهجوم التجربة الغربية واكتساحها لما كبرت فيها النزعة الاستعمارية والرغبة التوسعية، عوض أن تكون، أي الأمة، في مستوى قيام نموذج قادر على بناء واقع تواصلي وتفاعلي كما حصل في لحظات الانفتاح على الآخر وتراثه.

فلما تم إسقاط النص من عليائه وتمزقت النبوة بين مطالب الفئات وهيمن هذا الواقع على مجالات المعرفة وتحصيلها وبناء نظام النظر وزواياه تمزق جسم الأمة وضاعت الحقيقة فتغنى كل بليلاه، لكن المحطات المضيئة في تاريخ المسلمين تكشف معنى محفوظية النص الأصلي ومعنى أن الله تكفل بحفظه وقيد له وسائل تجديد العلاقة به على صفائه وضوحه.

ما يعنينا هنا أن مسار الحقيقة ومسار السياسة في كلتا التجربتين، الغربية والإسلامية، مسار مأزوم اليوم وانعكست أزمته بالتفاصيل على واقع الناس أجمعين وعلى واقع العلاقات الدولية، ولا يفتأ الكبار يجتهدون في إيجاد مخارج مناسبة له، وفي هذا السياق ينبغي أن تقرأ عطاءاتهم واجتهاداتهم وأعمالهم. يتبع إن شاء الله في الحلقة القادمة: الحقيقة والسياسة في التجربة الإسلامية

بقلم : مبارك الموساوي

رابط مختصر
2017-03-10
admino