ايت بها: اليربوعي يدعو الى ملحاحية الإنتقال من سلوك “رد الفعل” إلى “استراتيجية الفعل” في ملف الرعي الجائر.

اشتوكة 24آخر تحديث : الأحد 1 يوليو 2018 - 9:01 مساءً
ايت بها: اليربوعي يدعو الى ملحاحية الإنتقال من سلوك “رد الفعل” إلى “استراتيجية الفعل” في ملف الرعي الجائر.

ممن موقع مسؤوليتنا كرؤساء جماعات بالدائرة الجبلية أذكر بأن هذا المشكل البنيوي يشكل هاجسا دائما لدى ممثلي الساكنة (رؤساء ومجالس)، فهناك عمل ميداني يتجلى في التفاعل مع شكايات الساكنة من خلال الإنتقال إلى أماكن تواجد هؤلاء الرعاة والإتصال الفوري بالسلطة المحلية والدرك الملكي كلما وقع اعتداء من طرف من يسمون بالرعاة الرحل وممارسة أقصى درجات الضغط لإبعادهم خارج المنطقة، بالإضافة إلى العمل الترافعي الذي يتم القيام  به باتخاذ مقررات في دورات المجالس وتوجيهها للجهات الإدارية والأمنية التي تملك الإختصاص القانوني لفرض احترام القانون وحماية الساكنة المحلية في أمنها وسلامة ممتلكاتها ومورد رزقها الذي يرتكز في جزء رئيسي منه على المحيط الحيوي لأركان حرثا ورعيا وجنيا لثمار الاركان ومنتوجات نباتية أخرى.

ومنذ بضعة أشهر عقد رؤساء الجماعات الجبلية لقاء مع السيد عامل الإقليم نتج عنه تعبئة المصالح الأمنية في حملة تم خلالها إبعاد العديد من قطعان الرحل عن المنطقة.

كما يتم في اوخر فصل الربيع الإعلان في الأسواق المحلية عن إغلاق مجال الأركان ومنع الرعي لفترة معينة تفعيلا للعرف المتوارث في المنطقة. مع العلم أن هذا العرف كان قائما و “مقدسا” غير أنه بدأ يتلاشى في العقدين الأخيرين وأصبحت الحاجة لإعادة تفعيله ضرورة حتمية لحماية مجال الأركان على الاقل خلال فترة نضوج وتساقط ثمار الأركان.

السؤال المطروح هو: هل كل مايقوم به المنتخبون المحليون وخصوصا الرؤساء ونوابهم الذين يمثلون الأجهزة التنفيذية للمجالس المنتخبة كافي لمحاصرة الرعي الجائر؟؟؟. طبعا لا ليس كافيا كما أن ما تقوم به الأجهزة الإدارية الأخرى المسؤولة عن فرض احترام القوانين والضوابط المنظمة لمجال الأركان ليس كافيا؟ كما لا يطمأننا إطلاقا المآل المخصص لمئات الشكايات التي يتقدم بها المواطنون أفرادا وجماعات وكذا عشرات الملتمسات التي تقدمت بها المجالس الجماعية للحد من ضرر  الرعي الجائر.

الحل في تقديري هو أن جميع الأطراف الإدارية والمنتخبة والهيئات الجمعوية مطالبة أن تنتقل من سلوك “رد الفعل” إلى استراتيجية “الفعل”.

فالثابت أنه ومنذ أن تفاقمت ظاهرة الرعي الجائر من حوالي ما يقارب العقدين من الزمن والجميع يتعاطى معها من موقع “رد الفعل”، فالسلطات المركزية والمؤسسة التشريعية لم تأخذ هذا المشكل الوطني بالجدية اللازمة إلا في الأربع او الخمس سنوات الأخيرة بعد مبادرة وزارة الفلاحة بمعية وزارة الداخلية إلى الإشتغال على القانون المنظم للترحال الرعوي ومراسيمه التطبيقة، كما أن السلطات الإقليمية والمحلية تتفاعل ظرفيا (بدون استراتيجية محكمة) مع هذه الإشكالية للتخفيف من وطاة الإحتقان والحيلولة دون تطور الإحتكاكات التي تطرأ بين الساكنة ومن يسمون بالرعاة الرحل (وهم أحيانا كثيرة أقرب إلى عصابات رعوية متنقلة منهم إلى رعاة رحل حقيقيين)إلى مواجهات دموية واسعة.

ومن جهة أخرى فالنخب المحلية سواء منها المنتخبة او الفعاليات الجمعوية التنموية منها والحقوقية وكذا النخبة الإقتصادية ليست على قلب رجل واحد في النظر إلى هذه الظاهرة وإدراك إنعكاساتها السلبية على المجال الحيوي لأركان إنسانا ومجالا، بل ومن الساكنة المحلية من ينسج مصالح مادية شخصية غير سليمة بما تحمله هذه العلاقة من إضرار بالمصلحة العامة المتمثلة في احترام ممتلكات الغير واحترام الأعراف المحلية المنظمة لمجال الأركان.

لكل هذه الإعتبارات أرى ضرورة الإرتقاء بتعاملنا مع هذا المشكل البنيوي العابر لأقاليم وجهات الوطن من سلوك “رد الفعل” إلى “استراتيجية الفعل” من خلال رزنامة من الإجراءات العملية، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

1) مركزيا: التعجيل بأجرأة القانون المنظم للترحال الرعوي ونصوصه التنظيمية باعتباره آلية قانونية ملزمة تملأ الفراغ الذي عانت منه الترسانة القانونية الوطنية والتي ساهمت كثيرا في تخبط المؤسسات في التعامل مع هذه الظاهرة خلال العقود الأخيرة.

2) جهويا وإقليميا: تفعيل الأليات العملية المنصوص عليها في قانون الترحال الرعوي المذكور أعلاه، فمن دون تفعيل هذه الآليات الجهوية والإقليمية لن يكون  لهذا القانون الصدى المأمول على ارض الواقع، وبطبيعة الحال لتحقيق ذلك لابد من تعبئة الموارد البشرية والمادية اللازمة ولابد  من برنامج عمل زمكاني يرصد ويتابع ويوجه تحركات قطعان الرحل في مسارتها العابرة لربوع الوطن.

3) محليا: تحقيق التكامل اللازم بين مؤسسة الجماعة ومؤسسة السلطة المحلية ومؤسسة الدرك الملكي التي تغطي المجال القروي وشبه القروي، كل في نطاق اختصاصه، فالمجالس الجماعية مثلا باعتبارها الإمتداد والتمظهر الحديث لما كان يسمى “الجماعت” مطالبة برد الإعتبار وتفعيل الأعراف التي كانت تنظم لمئات السنين مجال الأركان بالإضافة إلى الإختصاصات المخولة لها قانونا من قبيل اختصاص الحجز وتطبيق الغرامات المسطرة في القرارات الجبائية الجماعية، وبطبيعة الحال هذا الإختصاص الجماعي لا يمكن تطبيقه إلا من خلال جهازي السلطة المحلية والدرك الملكي الذين يملكان شرعية استعمال القوة العمومية.

وبطيعة الحال هيئات المجتمع المدني المحلي المتمثلة أساسا في الجمعيات المحلية والتمثيليات الحزبية والهيئات الحقوقية لها دور فعال في الترافع على مختلف المستويات للدفع في اتجاه إيجاد حلول ملموسة ودائمة لهذا المشكل البنيوي الذي طال أمده.

4) أخيرا لا بد من التذكير بالدور المركزي لمؤسسة النيابة العامة ومؤسسة القضاء باعتبارهما الملجأ والفيصل فيما رفع ولازال يرفع من شكايات تطلب الإنصاف ممايقع من أضرار مادية ومعنوية جراء استفحال هذه الظاهرة وتهديدها لأمن وممتلكات مواطنين ومواطنات عزل في أعماق البادية، بادية يستنزف رأسمالها البشري سنة بعد أخرى في زحف مأساوي نحو أحزمة الفقر حول المدن، ولعل هذا الرعي الجائر/ الإجرامي سيأتي على ما تبقى من ساكنة منطقة أيت باها الجبلية والمناطق المشابهة لها في ربوع هذا الوطن العزيز. فماذا يبقى عندما تجور فئة من الشعب على فئة أخرى من نفس الشعب؟ ماذا يبقى عندما يتنامى الإحساس باللاأمن ليس فقط على الممتلكات بل على الجسد والروح كذلك؟ ما ذايبقى عندما تنهب ثروتنا المحلية الرئيسية (الأركان) مصدر قوة آلاف الأسر الفقيرة والمعدومة؟ ماذا يبقى عندما يتنامى الشعور العام بعجز مؤسسات الدولة عن حماية فئة من المواطنين من جور فئة أخرى من المواطنين؟ ماذا يبقى غير المواجهة الحتمية أو المغادرة النهائية نحو المجهول…… نسال الله اللطف.

محمد اليوربوعي: رئيس الجماعة الترابية أيت باها.

رابط مختصر
2018-07-01
اشتوكة 24