أخنوش.. سقوط “الأساطير المؤسسة” للوزير الأخضر

adminoآخر تحديث : الأحد 13 مايو 2018 - 11:26 مساءً
أخنوش.. سقوط “الأساطير المؤسسة” للوزير الأخضر

جدل “زواج” المال بالسلطة لم يبدأ مع تلك الخرجة الإعلامية التي هاجم فيها زعيم العدالة والتنمية عبد الإله بنكيران، خلال المؤتمر الأخير لشباب الحزب، زعيم الأحرار ورجل الأعمال المقرب من القصر عزيز أخنوش.

بل إن جدل “زواج” المال بالسلطة لم يبدأ حتى مع هذه المقاطعة الكاسحة التي استهدفت منتوجات محددة شملت محروقات “إفريقيا” المملوكة لأخنوش، و”ماء سيدي علي” لصاحبته مريم بنصالح، وحليب “سانطرال” الذي ارتبط في وقت سابق ب”الهولدينغ الملكي” قبل أن يتم تفويته للفرنسيين.

والواقع أن أول من بدأ هذا الجدل، حول الجمع بين الثروة والحكم، فعليا ومع السنوات الأولى للعهد الجديد، ليس إلا مؤسسة “ميديا تروست” مع أسبوعيتي “لوجورنال” و”الصحيفة” الموقوفتين.

ومن منا لا يتذكر تلك التحقيقات والملفات الصحفية الرصينة والافتتاحيات المزعجة للصحافي أبوبكر الجامعي وفريق من الصحافيين النجوم الذين أنجبتهم تلك التجربة الإعلامية التي ستظل، بحق، محطة مشرقة في تاريخ المغرب مهما اختلفنا معها.

وبلا شك، كان يمكن لجدل “زواج” المال والسلطة، الذي فجرته، وقتها، “لوجورنال” و”الصحيفة” وسط النخب، أن ينتقل إلى فئات واسعة من المغاربة لو أن مسؤولي هاتين الأسبوعيتين لم يربطوا هذا الجدل بالنشاط التجاري للمؤسسة الملكية.

أما اليوم، فقد كان رواد هذه المقاطعة ومهندسوها في منتهى الذكاء، لأنهم ربطوا حملتهم بأسماء “تختبئ” خلف جدران السلطة وخلف المؤسسة الملكية لتراكم المال والجاه من خلال احتكار أكبر الصفقات والامتيازات العابرة للحدود.

وهكذا، وقع الاختيار في هذه الحملة على إسمين نافذين برمزية خاصة ويجسدان، معا، هذا “الزواج غير الشرعي” بين المال والسلطة، المستفز لمشاعر المغاربة المكتوين بنار الغلاء.

الإسم الأول هو عزيز أخنوش الذي لم يعد تاجرا عاديا في نظر المغاربة، بل إنه الرجل الذي نزل عنده الملك ضيفا لتناول وجبة الفطور في رمضان أكثر من مرة.

أما الإسم الثاني فليس إلا مريم بنصالح التي رافقت، هي بدورها، الملك في الكثير من جولاته الإفريقية باعتبارها رئيسة ل”الباطرونا” المغربية، وهو ما سمح لها بتشييد معمل لماء “سيدي علي” بدولة البنين.

بل إن بنصالح كان لها دور “حيوي” مع أخنوش في ذلك “البلوكاج” الذي انتهى بالإعفاء الملكي لعبد الإله بنكيران، عقب ستة أشهر من الجمود والركود عاشتهما البلاد.

وفعلا، فعندما أطاح أخنوش ببنكيران، بمنطق اختل فيه منطق الرياضيات ليصبح رقم 37 أكبر من رقم 127، فقد حصل عند الرجل ما يشبه “الاقتناع” أن “الزعامة السياسية” سهلة، وأن تكلفتها لا تتجاوز دفتر “شيكات” لإسكات الأصوات المشوشة.

وطبيعي أن تكبر مثل هذه “الأساطير المؤسسة للزعامة” في وجدان رجل طيب مثل أخنوش، خاصة عندما رأى كيف أنه استطاع أن “يحنت” بنكيران ليفرض، بالقوة، دخول الاتحاديين إلى حكومة العثماني ضدا على إرادة العثماني نفسه.

بل ضدا على إرادة حزب “البيجيدي” ووزرائه وبنكيرانه، الذي قال في تجمع خطابي بالواليدية: “إيلا دخل إدريس لشكر إلى الحكومة راني ماشي عبد الإله بنكيران”.

وبالطبع، فقد شعر أخنوش بالإنتشاء و”العلو في الأرض” وهو يطيح ببنكيران، الذي كان، وقتها، أقوى رجل سياسي في المغرب.

أخنوش فعل كل هذا، وهو، تقريبا، بلا ماض سياسي، لكنه تمكن من “هزم” بنكيران زعيم أكبر حزب سياسي في المغرب، وصاحب مسار سياسي طويل فاق 40 سنة.

وكم أخطأ أخنوش عندما فهم السياسة وصراعاتها ودسائسها بلون واحد هو لون “مخطط المغرب الأخضر”.

أي أن الرجل توهم أن المغرب “أرض قاحلة”، وأن السماء اختارته ليحرثها طولا وعرضا.. فقط لأنه أطاح ب”الوحش” وشكل حكومة على مقاسه ومزاجه.

لكن أخنوش نسي الأهم، ونسي حقيقته، وهو أنه مجرد “بديل مفروض” في نظر الناس لربح انتخابات 2021.

بل إنه نسي أيضا أن المخزن قد يتغذى حتى من معارضيه، فكيف لا يأكل واحدا من أبنائه في “أوقات الشدة” التي تتطلب الانحياز إلى مطالب الشعب؟

اللافت أكثر، فقد توهم أخنوش أيضا أن ربح الانتخابات القادمة هي مسألة وقت لا غير، لأن “الكل” أصبح مع “الوزير الأخضر” بعد تحييد حزب “البام”.

وفي مقدمة هذا “الكل” عقل السلطة وقلبها، وفات زعيم الأحرار أن ينتبه إلى حقيقة تاريخية وهي أن السلطة بلا قلب وبلا مشاعر وتكره الحب وتعادي الرومانسية.

أخنوش أخطأ أيضا عندما توهم أن “الزعامة السياسية” ليست مسارا شاقا يبنى “حجرة بحجرة”.. بل هي، في نظره، مجرد “سر” ينزل، ليلا، من الفوق.

ولأن الأمر هو كذلك بالنسبة إليه، فقد خط صاحبنا، لنفسه على عجل، شعار “أغراس.. أغراس”، ليشرع مبكرا في جولات انتخابية لم تقتصر على المغرب، بل شملت حتى دولا أوروبية تحت دافع الحماس غير المعقلن.

وسامح الله فريق عمل أخنوش وخبراءه في التواصل، لأنهم كانوا في منتهى “السذاجة والبساطة” وبرمجوا للرجل لقاءات تواصلية فاشلة في دول أوروبية لا يوجد فيها ولو عضو واحد من التجمع الوطني الأحرار.

وكانت النتيجة هي ما رأينا: مهاجرون مغاربة غاضبون نسفوا هذه اللقاءات، واحتلوا منصة الخطابة وهاجموا أخنوش بعبارات قاسية.

بل إن البعض من هؤلاء الشباب المهاجرين رفع شعارات مناهضة للملكية والنظام المغربي دون أن يقوى السي عزيز على أخذ الكلمة ليدافع عن مؤسسات بلد أعطاه كل شيء يتحرك على الأرض.

وبالفعل، فقد أعطى هذا البلد لأخنوش حتى ما لا يعطى، وهو “الحق” في “احتكار” الأوكسيجين والكيروزين والفيول، وأعطاه أيضا حق “التصرف الدائم” في قطاعات الفلاحة والصيد والتصدير والاستيراد…

وطبعا لا ينبغي أن ننسى أن هذا “الحق” في “الاحتكار” قد يتم تنزيله أحيانا وفق أجندة حزبية من خلال استقطاب الأعيان المستفيدين من الامتيازات و”صناديق الدعم” التابعة لأخنوش في هذا القطاع أو ذاك.

ولهذا، فليس صحيحا أن مقاطعة الناس لمنتوج معين هو ما سوف يخيف الاستثمار الأجنبي أو يطرده من المغرب، كما لمحت حكومة سعد الدين العثماني في بلاغها المهدد للمقاطعين.

لا.

بل الذي يخيف الاستثمار ويطرده شر طردة من بلادنا هو الاحتكار، وهو القرب من السلطة والاختباء خلفها لمراكمة الثروة خارج شروط وقواعد المنافسة والحكامة الجيدة.

بصيغة أخرى، فالذي يضر بسمعة المغرب في الخارج هو الاحتكار ونيل الصفقات تحت الطاولة وليس احتجاج الفقراء و”المزاليط” على غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار.

ولن نكشف سرا إذا قلنا إن العديد من محطات توزيع البنزين المنافسة لمحطات “إفريقيا” اشتكت، أكثر من مرة، من أخنوش لأن السيد يحتكر، لوحده، أكثر من ألف كيلومتر من الطرق السيارة لبيع البنزين و”الطواجن” ومنتجات أخرى بأسعار مخيفة خارج أي مراقبة.

ويكفي أن البعض أصبح يطلق، على المحلات التجارية “ميني ابراهيم” الموجودة بالطرق السيارة بمحطات “إفريقيا”، لقب “ميني كريساج”.”

وهي فعلا كذلك. إنها محلات ل”الكريساج” لأن سعر قنينة صغيرة من “ماء سيدي علي” بمحلات “ميني ابراهيم” قد يفوق 8 دراهم.

وعندما تريد اقتناء ماء معدني آخر يقال لك: “ليس عندنا إلا سيدي علي”، فيما علبة “بسكويت” قد يصل سعرها إلى 35 درهما. أما وجبة غداء عادية بمحطات “إفريقيا” فقد يصل سعرها إلى 400 درهم.

إذن، فمن العادي جدا أن يبدو أخنوش في نظر الناس ليس كرجل أعمال، بحس وطني، يعطي ويأخذ في حدود المعقول، ولكنه بدا مثل أي صفريوي من “صفريويات” شركة “الضحى”، الذين مصوا دماء المغاربة وكدسوهم في شقق تشبه، إلى حد بعيد، أماكن “الاحتجاز القسري”.

أي أن أخنوش بدا، هو أيضا، كأي رجل أعمال “جشع” يأخذ كل شيء يمينا وشمالا، ولا يبني مدرسة ولا خيرية ولا مستشفى ولا يدعم أرامل ولا أيتاما.. ولا يشق طرقات في العالم القروي.

وليس هذا فحسب، بل إن أخنوش بدا للمغاربة، مع هذه المقاطعة، في صورة “العدو رقم واحد للشعب”، خاصة إذا علمنا أن الرجل كان قد ربط مشاركته في حكومة بنكيران بوقف الدعم المخصص للفقراء.

ولعل هذا ما جعل هذه المقاطعة لا تحتاج إلى وقت طويل لكي تحقق أهدافها في تحسيس من يهمهم الأمر بغلاء المعيشة.

بل إن هذه المقاطعة حققت أهدافها كاملة وزيادة في أيامها الأولى من انطلاقتها، وحققت أهدافا أخرى لم تكن متوقعة على الإطلاق، وفاجأت حتى بعض الجهات “العميقة” في الدولة.

وأقصد هنا هذا السقوط الدرامي لشعار “أغراس.. أغراس”، ومعه سقطت، أيضا، “ثقة” أخنوش في نفسه وفي حزبه وفي أذرعه الإعلامية الكثيرة وفي فريق عمله، وربما في جهات رسمية كانت “تسخن أكتافه”.

والأخطر من كل ذلك، فقد سقط أيضا ما هو أهم، وهو مشروع “النموذج التنموي الجديد” الذي كان أخنوش يريد أن يخوض به معركة 2021.

نعم، لقد سقط كل شيء دفعة واحدة، وبدا الفرق شاسعا بين الأحزاب الأصيلة المسنودة بمناضلين من لحم وشحم، وبين تلك الأحزاب المسنودة ب”صيروم” السلطة.

ولأن أخنوش فقد الثقة في الجميع، فقد طار إلى الديار السعودية ليناجي ربه بعد أن أوقف أنشطته وجولاته الحزبية، ونسي أنه زعيم سياسي ينبغي أن يخرج إلى المغاربة في تجمعات خطابية للدفاع عن نفسه.

وكم حز في نفسي أن يتخلى الجميع عن أخنوش في هذه الظروف العصيبة بمن في ذلك حزبه، ووزراؤه الذين التزموا الصمت ولم يصدروا أي بيان تضامني مع أمينهم العام ولو من باب “الصواب” الذي يمليه الانتماء المشترك إلى حزب واحد.

وليس “الأحرار” فقط هم من تخلوا عن أخنوش وتركوه وحيدا في مواجهة إعصار المقاطعة، فحتى الاتحاديون تخلوا عن الرجل ولم يدعموه ولو ب”افتتاحية صغيرة” على صدر الصفحة الأولى لجريدة الحزب رغم أنه هو من أدخلهم إلى الحكومة، وخيره سابق.

وكلنا يتذكر أن جريدة “الاتحاد الإشتراكي” خصصت افتتاحيات داعمة لأخنوش عندما كان هذا الأخير يتفاوض باسمهم للمشاركة في حكومة العثماني.

فلماذا اختار إدريس لشكر هذه المرة الصمت، ولم يدافع عن أخنوش الذي كان صاحب فضل كبير على حزب بنبركة، بل إنه وهب للاتحاد عمرا جديدا بعد أن كان مهددا بالانقراض؟

لا جواب.

ولا بأس أقول أيضا إن هذه المقاطعة أظهرت، ربما، الحاجة إلى ضرورة التعجيل بإصدار قانون يمنع الوزراء “التكنوقراط” أو “غير المسيسين” من اعتلاء منصات الخطابة والحديث في قضايا الشأن العام أمام الكاميرات، لأن البعض منهم قد يهددون السلم الاجتماعي، في أي لحظة، إذا تكلموا أمام الناس.

ويبدو أن وزير الاقتصاد والمالية محمد بوسعيد واحد من هؤلاء الوزراء “غير المسيسين” الذين ينبغي أن يمنعوا من الكلام، لأن السيد أشعل النار وسب جزءا من المغاربة ووصفهم ب”المداويخ”، ثم فر إلى “مخبئه الذهبي” ينتظر انطفاء النار من تلقاء نفسها.

ولم تقف تداعيات المقاطعة عند هذا الحد، بل إن رياحها وصلت إلى “الباطرونا”، وقللت من حظوظ صلاح الدين مزوار في الظفر برئاسة هذا التجمع الاقتصادي مكان مريم بنصالح.

وهو ما يعني أن حظوظ رجل الأعمال حكيم مراكشي في الفوز برئاسة “الباطرونا” أصبحت قوية، خاصة بعد أن تسربت أنباء تقول إن “مزوار ليس مرشحا للمخزن، بل إنه ترشح بدعم من أخنوش ليس إلا، وقد تدعمه مريم بنصالح في هذا السباق في إطار تبادل المصالح”.

والحقيقة أن مزوار ترشح لرئاسة “الباطرونا” ليس لأن هناك تعليمات نزلت من “الفوق”، بل لأن الرجل انتظر طويلا وشعر بالتعب والعياء.

وعندما طال هذا الانتظار ولم تنزل التعليمات، فقد نزل مزوار شخصيا ليطرد الملل وليجرب حظه في هذا السباق حتى وإن كان هذا المنصب المتبارى حوله “صغيرا”، ولا يناسب “وزنه” كرجل دولة تحمل مسؤوليات كبرى في هرمها.

ولا بد من الاعتراف أن هذه المقاطعة أعطبت، أيضا، امرأة اسمها مريم بنصالح لأن “مولاة ماء سيدي علي” سوف تغادر رئاسة اتحاد “الباطرونا” محبطة ومهزومة النفس وبلا سمعة في عالم المال والأعمال.

وليس مبالغة أن نقول إن هذه المقاطعة قدمت مريم بنصالح للمغاربة ليس كامرأة أعمال ناجحة اعتمادا على نفسها ومجهودها الذاتي، بل بدت مجرد امرأة من ريع، ولا تأكل من عرق جبينها مثل باقي النساء الناجحات في عالم المال والأعمال.

ولكم أن تتصوروا نفسية وحال امرأة انتهت هذه النهاية وهي التي قضت ولايتين كاملتين من ست سنوات بالقرب من ملك البلاد، ورافقته في جل جولاته داخل المغرب وخارجه.

والمؤكد أيضا أن هذه المقاطعة ضربت في كل اتجاه، وخلطت الكثير من الأوراق وأرسلت عدة رسائل لعل أقواها أن “المس بغلاء المعيشة” أصبح، من الآن فصاعدا، “ثابتا” جديدا انضاف إلى باقي “الثوابت الدستورية الأخرى” التي تحظى بإجماع المغاربة.

وارتباطا بهذا المنحى أيضا، فقد فهم الجميع أن هذه المقاطعة هي أقوى من أن يكون خلفها حزب سياسي أو اثنان أو ثلاثة.

هذه المقاطعة هي رد فعل شعبي سلمي وراق، وهي أقوى من الأحزاب وأقوى من النقابات وأقوى من أن تكون بيد “جهة ما” مهما كانت قوتها.

ولهذا السبب، فقد التحق ب”حزب المقاطعة الشعبية” حتى من هم في حكم “أعداء الشعب”، أما المستهدفون بها، مثل أخنوش ومريم بنصالح والمسؤولين في شركة “دانون سانطرال”، فكل همهم الآن هو أن تتوقف هذه المقاطعة ولو لبضعة أيام لعلهم يقللون من خسائرهم الفادحة والتي فاقت كل التوقعات.

مصطفى الفن

رابط مختصر
2018-05-13
admino