موسم الثلوج يحاصر ساكنة “إدعمرو أوعلي” ضواحي تارودانت

اشتوكة 24آخر تحديث : الأحد 28 يناير 2018 - 3:54 مساءً
موسم الثلوج يحاصر ساكنة “إدعمرو أوعلي” ضواحي تارودانت

في دوار “إدعمرو أوعلي”، الواقع بنفوذ الجماعة الترابية “أسكاون”، دائرة تالوين، إقليم تارودانت، تعيش عشرات الأسر أوضاعا استثنائية، تتكرّر في كل موسم لتساقط الثلوج، لتنضاف إلى مستويات الفقر والعوز التي تئن تحت وطأتها الساكنة المحلية التي تُدبّر معيشها اليومي في صراع مع قساوة الجغرافيا، وغياب موارد رزق قارة، مع الخصاص المهول في مختلف البنى الأساسية.

سيادة الطابع الجبلي بمنطقة “إدعمرو أوعلي” يجعل الوصول إليها أمرا محفوفا بكثير من المخاطر، يزداد خطورة في فترة تساقط الثلوج؛ إذ تعيش الساكنة دوامة من المعاناة بسبب العزلة القاهرة التي تُفرض عليها، وتحول دون مغادرة المنطقة أو الوصول إليها، خصوصا أن المسلك الجبلي الوحيد الذي يربطها بالعالم الخارجي يكون مقطوعا طيلة مرحلة تساقط الثلوج.

يكسو البياض قمم جبال هذه المنطقة النائية، مما يُحولها إلى لوحة فنية في غاية الروعة، تتفنّن قوانين الطبيعة في رسمها على هذه القمم. وفي المقابل، تتحول إلى مصدر معاناة للساكنة، في غياب إجراءات موازية للتخفيف من آثار موجة البرد القارس، ولفك العزلة والحصار عنها، أبرزها غياب وسائل التدفئة، وإزالة الثلوج بالمسلك الطرقي، مما يرفع من فاتورة اقتناء كل المواد الأساسية.

ويبدو، من خلال آراء استقتها هسبريس من ساكنة المنطقة، أن هذه الربوع من إقليم تارودانت قد تأخر فيها الركب التنموي كثيرا؛ فزيادة مع ما يُواكب فترة الثلوج من متاعب للمستقرّين في هذه البلدة، تبقى أبرز القطاعات الاجتماعية مصدر قلق ومعاناة إضافية للأهالي، تُبرز حجم الإقصاء والتهميش المفروضيْن على المنطقة، وغياب مبادرات للتخفيف من حدّة النقص الحاصل في كثير من القطاعات منذ عقود خلت.

مسلك مقطوع وتدفئة منعدمة

الفاعل الجمعوي عبد الله بيزكارن اعتبر، ضمن تصريح لهسبريس، أن أكبر عائق يواجه الساكنة يكمن في المسلك الرابط بين دوار “إدعمرو” بالطريق الرابطة بين جماعة أسكاون وتالوين، على مسافة تناهز أربعة كيلومترات، ما يجعل الساكنة معزولة تماما في مثل هذه الفترات من السنة؛ إذ إن انقطاع المسلك المتكرر بسبب الثلوج يتسبّب في ارتفاع صاروخي لأثمنة مجموعة من الخدمات والمواد الأساسية.

وأوضح رئيس جمعية النهضة للتنمية والثقافة بمنطقة “إدعمرو أُعلي” أن غياب وسائل التدفئة يزيد من تأزيم حياة الساكنة في فصل الشتاء التي ينخرها الفقر والعوز وغياب الإمكانيات المادية لتجاوز هذه المتاعب التي تتكرّر، من غير أن يشفع لها حجمها في التفاتة من الجهات المحلية المنتخبة أو الحكومية، لتظل تواجه مصيرها لوحدها، وتكابد معاناة مضاعفة، جزء منها قدر من الطبيعة، لكن الجزء الآخر تتحمّله البرامج التنموية التي لم تعرف بعد طريقها إلى “إدعمرو أوعلي”.

ففيما تضطر الساكنة المحلية إلى الاستعانة بإمكانياتها البسيطة في إزالة الثلوج عن المنفذ الوحيد إلى مدشرها، من أجل فسح المجال لبعض السيارات التي يتطوّع سائقوها لإمداد الأهالي بالمؤونة وبعض الضروريات، رغم المخاطر المواكبة للعملية، فإن تدخل الدولة وإرسال كاسحات الثلوج إلى المنطقة، لمواجهة هذه الحالة الاستثنائية، يبقى منعدما.

صحة عليلة

الفاعل الجمعوي عبد الله بيزكارن بسط في هذا الصدد واحدا من المشاكل التي ظلت تقض مضجع القاطنين بهذه المنطقة الوعرة، قائلا: “إننا نتكبّد الويلات من أجل الوصول إلى أقرب مؤسسة صحية، التي تبعد عنا بحوالي عشر كيلومترات، لكن غياب الطبيب بالمستوصف الوحيد في منطقة أسكاون يشهد على حجم التهميش المفروض علينا، فالنساء الحوامل والرضع يضطرون إلى التنقل ضمن رحلات علاج غير محسوبة العواقب، غالبا ما تنتهي بمآسٍ”.

هدر مدرسي مستفحل

قطاع التعليم بدوره يوجد بغرفة العناية المركزة بهذه الربوع، ولا أدلّ على ذلك، وفق ما أورده المتحدث في تصريحه لهسبريس، وصول مستويات الهدر المدرسي إلى نسب قياسية، وتكون الفتيات الفئة الأكثر تعرضا لهذا الوباء الاجتماعي. وأرجع الفاعل الجمعوي ذلك إلى “غياب النقل المدرسي، وانعدام استفادة الأسر من أي برنامج للدعم”، معتبرا أنه “من المفارقة العجيبة أن المنطقة نائية وفقيرة، لكنها غير مشمولة ببرنامج تيسير لتشجيع الأسر على الإبقاء على أبنائها في المدارس”.

من الأمور التي ما زالت عائقا أمام تمدرس الفتيات أو الانقطاع المبكر عنه، أبرز المتحدث ذاته “أن غياب المرافق الصحية بمدرسة الدوار، والوضع المزري للمؤسسة التعليمية، عاملان يلعبان دورا محوريا في استفحال هذه الظاهرة، أضف إليهما غياب التعليم الأولي، مما يؤثر سلبا على المجهودات المبذولة من طرف هيئة التدريس، وينعكس بالسلب أيضا على تكوين الأجيال، لاسيما الفتيات، في غياب أي ناد نسوي من شأنه أن يعزز دور المرأة والنهوض بأوضاعها وخلق مشاريع ذاتية، بعد الانقطاع عن الدراسة”.

ذاكرة محلية مهملة

توجد بدوار “إدعمرو أوعلي” معالم أثرية ذات قيمة تاريخية، كالمخزن الجماعي “أكادير”، الذي استعملته ساكنة القبيلة لتخزين مدخراتها وفق نظام مُحكم، يُعد اليوم شاهدا على حجم الإهمال الذي ينال من أبرز المعالم الأثرية الشاهدة على حقبة زمنية مضيئة من تاريخ المغرب. كما توجد بالمنطقة ذاتها معلمة تاريخية أخرى، هي مسجد قديم تحت الجبل، بجميع مرافقه من محراب ومقصورة ومكان للوضوء، عبارة عن كهف واسع من الداخل، يمكن أن يُعتبر تحفة في المنطقة لو أُحيط بالعناية اللازمة.

وفي هذا الصدد، قال بيزكارن إن “هاتين المعلمتيْن الأثريّتيْن تعتبران تراثا إنسانيا، تحتاجان إلى التفاتة من جهات مهتمة، كوزارة الثقافة، من أجل حفظهما من الضياع، واستغلالهما في جذب السياح إلى المنطقة، وخلق فرص شغل لأبناء المنطقة، باعتبارهما خزانا لجزء من الذاكرة المحلية، وشاهدين على جزء من التاريخ المحلي فيما ما مضى، تؤكده أشكال المعمار ومرافقهما”.

وأكد المتحدث ذاته، في تصريح لهسبريس، أن المنطقة عانت لعقود من الزمن من ويلات التهميش والإقصاء، ما جعلها تصنف خارج خانة المسؤولين المحليين من أجل الاستفادة من خدمات مؤسسة محمد الخامس للتضامن، لاسيما في فترات البرد القارس التي تجتاح المنطقة، ملتمسا من الجهات المسؤولة التدخل لتوفير ظروف العيش الكريم للساكنة المحلية، التي تضررت بفعل غياب البرامج التنموية والتقلبات المناخية التي تتميز بها المنطقة.

الجماعة تخلف الوعد

ولأخذ تصريحه حول معاناة ساكنة المنطقة مع موجة البرد وتساقط الثلوج التي تغلق المنفذ الوحيد إلى المنطقة، اتصلت برئيس جماعة “أسكاون”، محمد أولبوجر، الذي وعدنا بالرد على كل تساؤلاتنا بعد مهلة نصف ساعة فقط. لكن بعدما عاودنا الاتصال به مرات عديدة، وجدنا هاتفه خارج التغطية.

رشيد بيجكن

رابط مختصر
2018-01-28
اشتوكة 24