فوضى “حي غزّة” في آيت اعميرة .. حصار على الأحياء والأموات

adminoآخر تحديث : الأحد 3 ديسمبر 2017 - 2:34 مساءً
فوضى “حي غزّة” في آيت اعميرة .. حصار على الأحياء والأموات

تُعدّ الجماعة الترابية لآيت اعميرة، نواحي اشتوكة آيت باها، إحدى أكبر الجماعات الترابية من حيث الكثافة السكانية، إذ وصل تعداد السكان بها برسم الإحصاء العام لسنة 2014 إلى أزيد من 76 ألف نسمة، وتُعتبر منطقة جذب لليد العاملة في القطاع الفلاحي، بحكم تمركز أهم الاستثمارات بها في هذا المجال، ما تشهد معه دينامية خاصة أفرزت إكراهات متشعبة على كافّة المستويات.

دوار العرب ودوار لحمْر، ودوار الطاوس ودوار الميكا… دواوير من بين العشرات التي نبتت كالفِطر في محيط مركز آيت اعميرة، لكن القاسم المشترك بينها يكمن في عشوائية البناء، وغياب أدنى مقومات العيش الكريم؛ إذ استفاد الوافدون على المركز لأجل العمل في القطاع الفلاحي من “جشع” ملاكين من أبناء المنطقة، أطلقوا العنان لتقسيم الأراضي وتجزيئها، وتحويلها في ما بعد إلى أشبه بمبان، امتصّت الطلب على السكن، ورفعت سقف المطالب بمختلف الخدمات.

هي تجمعات سكنية تعتبر أحياء بالتسمية فقط، وذلك لكون واقع العيش وسطها يعُج بالتناقضات. كما أن ذلك لا تُوازيه عناية من طرف مصالح الدولة المختصة، إذ أفضى غياب الصرامة في التعامل مع ظاهرة البناء الفوضوي إلى إنتاج تجمعات سكنية وبشرية قلبت موازين التنمية المحلية، وأنتجت ظواهر غاية في التعقيد، سمتها العجز عن تلبية الطلب المتزايد على خدمات القطاعات الاجتماعية، كالتعليم والصحة، وانتشار مختلف مظاهر الجنوح والجريمة والمخدرات، في ظل نقص حاد في التغطية الأمنية وغيرها.

ومن أجل تسليط الضوء على هذا الواقع، انتقلت الجريدة  إلى أحد أحياء دوار “العرب”، غير بعيد عن مركز آيت اعميرة، والذي اختار القاطنون به تسميته مجازا “حي غزّة”؛ وذلك باعتباره واحدا من الأحياء التي تشهد على بشاعة “الجريمة” المقترفة في حق ساكنتها، التي لم تجد غير وصف “الحصار” لإسقاطه على حجم المعاناة التي ظلت تئن تحت وطأتها منذ سنوات؛ معاناة لامست كل مناحي الحياة، من غير أن يصل صداها إلى القائمين على تدبير الشأن العام، ولا السلطات الإدارية التي تجاهلت مطلبها الوحيد المتمثل في زقاق يسع لإخراج ميت.

إطو، واحدة من النساء القاطنات بحي “غزة”، صرّحت للجريدة بأن الجميع، نساء ورجالا وأطفالا، يُعانون من مشاكل متواصلة في الحي، دون أن تلقى شكاياتهم المرفوعة إلى الجماعة والقيادة والعمالة أي ردود إيجابية، وزادت: “في بعض الأحيان يزورنا المسؤولون هنا، لكن دون تفعيل أي حلول للمعضلات التي نتخبط فيها كل يوم، فالحي يتحول إلى مستنقع مائي يصعب تجاوزه في الفترات المطيرة، كما أن مياه الغيث تحل ضيفة على البيوت، والأطفال ممنوعون من الوصول إلى المدارس”.

“اقتنيت بقعة أرضية بالحي منذ 2008، ممنية نفسي بتجاوز العديد من المشاكل، لكن رغم حصولي على ترخيص بالبناء، شيدت منزلا قبل أن أفاجأ بغياب طريق يؤدي إليه، إلا منفذان لا يتجاوز عرضهما 90 سنتيمترا.. كما أننا نُعاني من غياب أبسط شروط العيش”، تقول فاطمة، قبل أن يقاطع حديثها جارها أحمد الذي قال بنبرة غاضبة: “اقتنينا بقعا أرضية من مالكها على أساس وجود طرق مؤدية إليها، لكن أبناءه عمدوا إلى إغلاق الأزقة عبر تشييد بنايات أخرى. كما أننا نستعين بأدوات تقليدية من أجل إفراغ الزقاق من مياه الأمطار لفسح المجال لأبنائنا من أجل العبور نحو المدارس”.

من جانب آخر، كشف أحمد، الساكن بنفس الحي، أن “حصارا ضرب الحيّ”، وسرد بعضا من جوانب التهميش الذي طاله، لاسيما غياب منافذ إليه ومخارج منه، مردفا: “في الأسبوع الماضي توفي أحد الجيران، فلاقينا صعوبة كبيرة في إخراج النعش إلى المقبرة. وحتى إن نشب حريق فلا مكان لدخول الإطفاء.. الأمر ذاته بالنسبة إلى النساء الحوامل والمرضى، إذ نضطر إلى الاستعانة بالجيران من أجل المساعدة في حملهم على غطاء أو بطانية عبر تلك المنافذ الضيقة التي نسميها معبر رفح”.

رغم دخول “حي غزّة” ضمن مجال التهيئة العمرانية لخميس آيت اعميرة، إلا أن الأوضاع المأساوية، متمثلة في غياب البنى التحتية الأساسية، من إنارة وماء وكهرباء وفضاءات ألعاب، جعله بركة آسنة تحتضن أبشع صور العيش لساكنة اختارته طمعا في نيل ظروف عيش أمثل لأطفالها، لكنه في المقابل مشتل خصب لبروز ظواهر اجتماعية سيؤدي المجتمع حتما ثمنها، خصوصا أن الساكنة طرقت أكثر من باب، غير أنها ظلت موصدة في وجهها، ليبقى الوضع الممزوج بغضب دفين في نفوس الساكنة مفتوحا على كل الاحتمالات، ما لم تتحرّك مؤسسات الدولة.

علي البرهيشي، رئيس الجماعة الترابية لآيت اعميرة، اعتبر أن الأمر يتعلّق بحي خاضع للتهيئة العمرانية، لكن ورثة مالك الأرض عمدوا إلى إغلاق المنافذ إليه، وزاد: “اقترحت عليهم منحهم بقعتين أرضيتين بإحدى التجزئات في مُقابل هدم منازل شيدوها، ما سيسمح بمعالجة الوضع القائم، لكنهم رفضوا”.

وأضاف المسؤول الجماعي أن جماعته تُعاني من ضعف الموارد المالية، وزاد مستدركا: “لكننا نعمل جاهدين من أجل تحقيق ما نستطيع الوصول إليه”.

رئيس الجماعة أضاف في تصريحه للجريدة أن البرك المائية التي تظهر في الفترات المطيرة تدفع الجماعة إلى إفراغها عبر مضخات وصهاريج متنقلة؛ مردفا: “وجدنا صعوبات في المرور إلى الحي من أجل تثبيت الأعمدة الكهربائية، وفعلنا حلولا مؤقتة في انتظار حل الإشكالية برمتها..آيت اعميرة في مجملها تُعاني من تهميش الدولة لها، فرغم كونها قوة استثمارية ومنطقة استقبال مئات الآلاف من اليد العاملة في المجال الفلاحي، لم تواكب الدولة هذه التحولات في تعاملها مع قضايا المنطقة”.

وختم المتحدث تصريحه بذكر جوانب من قصور نظرة المسؤولين إلى واقع آيت اعميرة، موردا: “طبيبان لأزيد من 80 ألف نسمة وسط بناية خلفها الاستعمار، ومدارس تعاني الاكتظاظ ولا تأخذ توقعات الخريطة المدرسية التحولات والدينامية البشرية التي تعرفها المنطقة، وواقع عمراني مشوه في كثير من الأحيان، لتبقى هذه الجماعة الاستثناء من حيث مشاكلها وآليات حلها، ولن يكون ذلك إلا بتدخل الدولة عبر برمجة مشاريع مهيكلة أو إغناء ميزانية الجماعة لأجل مواجهة كل هذه التحديات”.

رشيد بيجكن

رابط مختصر
2017-12-03
admino