الدول الامازيغية: دول معدنية

adminoآخر تحديث : الخميس 26 أكتوبر 2017 - 5:06 مساءً
الدول الامازيغية: دول معدنية

قَد لا يدري رؤساء الجماعات الترابية المنتمية إلى جبل إقليم تيزنيت، مدى قيمة ورمزية وخطورة الانسحاب من اجتماع حضره وزراء ومسؤولين …ولكن قيمة الانسحاب تتجلى في موضوع الاجتماع. الذي هو قضية المعادن . حدث انسحابهم من اجتماع يترأسه وزير حكومة مركزية نزل إلى مدينتهم. ربما انسحبوا (ثم عادوا) بسبب تعسف وزير المخزن. ولكن الحدث له دلالات عميقة قد لا يفطن لها المنسحبون أنفسهم والوزراء وباقي المسؤولين الحاضرين في الاجتماع بعمالة تيزنيت. إنني أعطي لهذا الحدث قيمة كبيرة والأهمية التي يستحقها، وليس بالضرورة أن أسير في نفس الطريق الذي سلكه رؤساء الجماعات المنسحبين كما أنه ليس بالضرورة أيضا أن تكون لدينا نفس الأهداف والمنطلقات. وعليه؛ فلابد أن نسجل؛ أن الأمر يُعد سابقة في تاريخ سوس بعد الاستقلال. حيث لأول مرة يجتمع رؤساء قبائل “جزولة” (حلف تاكيزولت) وهو تحالف سياسي صنهاجي كبير حول موقف موحد حول قضية المعادن وذلك في شهر أكتوبر من سنة 2017 بمدينة تيزنيت. أهمية هذا الموضوع تتجلى في الدور الذي كانت تلعبه الثروة المعدنية والمنجمية في بلاد سوس لتأسيس الدول والامبراطوريات الامازيغية الكبرى التي حكمت جميع بلاد الامازيغ(بلاد البربر – شمال إفريقيا) والأندلس خلال العصر الوسيط، بدءا بدولة صنهاجة التي تسمى في كتب التاريخ بالدولة المرابطية ثم التي تلتها وهي دولة المصامدة التي تسمى الموحدون، والسعديون ثم إمارة تازروالت. سنبين أن كلام وزير الطاقة والمعادن السيد عزيز الرباح حول عزم وزارته إنشاء خرائط جيولوجية للمعادن في سوس، وحديثه عن أهمية المعادن في سوس وتنوعها، كلام خارج السياق وليس له معنى، ولم يحمل أي جديد، بالرغم من أن الوزير يتفعفع على الحضور كأنه يبشر بشيئ جديد. مادام أن جل المناجم المعدنية الموجودة حاليا في بلاد سوس قديمة جدا استغلتها القبائل الامازيغية منذ عصور غابرة في الزمن، وتؤكد مصادر التاريخ القديم أن قبائل سوس كانت تمارس تجارة المقايضة في السواحل الجنوبية مع تجار الأمم الأخرى كالفينيقيين وغيرهم بالمعادن. وسارت على نفس النهج العديد من الامارات السياسية التي كانت تحكم بلاد سوس والصحراء، حتى جاء المرابطون وساهموا في تطوير الثروة المعدنية وتقعيد تجارتها شمالا وجنوبا، ونفس الشيء قام به الموحدون وبني مرين والسعديون والسملاليون….وقامت فرنسا خلال القرن العشرين بتوسع استغلالها بتقنيات حديثة وشقت الطرق وفتحت المسالك في الجبال بحثا عن المعادن وتحكمت في مواردها بعد أن اغتصبتها من القبائل. لقد تحدث جميع الرحالة والمؤرخين الذين كتبوا عن المغرب وبلاد سوس، عن قضية المعادن والمناجم وأهميتها الاقتصادية والتجارية والاجتماعية، وكانت لها أدوار مصيرية في الميدان السياسي وخاصة في تشكل الدول والإمارات السياسية، بالرغم من أن المؤرخين يكتبون التاريخ بنظرة فقهية دينية ضيقة جدا، وبحكم شح المادة المصدرية والبحث الاركيولوجي لازالت الكتابة التاريخية المعاصرة تراوح مكانها وتكتفي بما كتبه الفقهاء عن أمراء وتداول الدول بالمغرب. مثلا؛ القول بأن المرابطين أسسوا دولتهم بفعل اعتناقهم المذهب المالكي، وبحكم مجهودات الفقهاء المؤسسين كسيدي وكاك بن زلو اللمطي وسيدي عبدالله بن ياسين الجزولي، وهما معا من صنهاجة. ويتم تهميش دور المعادن والتجارة في قيام أول أمبراطورية أمازيغية، حيث تشير بعض الدراسات إلى دور المعادن في قيام وتطور دولة صنهاجة خاصة الذهب والفضة والنحاس والحديد.”انظر مقالة الباحث الموساوي العجلاوي حول هذا الموضوع”. يقول البكري( ق 11م) في هذا الصدد” الموضع المعروف بتازارت وفيه معدن فضة قديم وغزير المادة….” ويقول المراكشي ق13 م ” ..معدن زكندر الذي بسوس، غير أن فضته ليست هنالك أغنى فضة معدن زكندر ..”. ويقول صاحب الاستبصار(ق12-13) عن مدينة إكلي قرب تارودانت ” …ويعمل بها (إكلي) النحاس المسبوك يتاجر به إلى بلاد السودان..” أما حسن الوزان (ق16) فيقول عن جبل إيلالن ” يبتدىء هذا الجبل غربا عند تخوم الجبل السابق وينتهي شرقا في ناحية جزولة وجنوبا في سهول سوس. سكانه نبلاء شجعان عندهم خيول كثيرة، يتحاربون فيما بينهم باستمرار من أجل منجم فضة يوجد في الجبل، ويستغله المنتصرون منهم.” هكذا؛ توجد مناجم كثيرة لمختلف أنواع المعادن في سوس وبلاد “جزولة” كمنجم تاعدانت بتامدولت ومنجم تازالغت ومنجم أكجكال الذي يوجد في قبيلة “آيت وافقا” وهو معروف منذ القرن 13م. ومنجم إمتر بضاحية إفران، وقد تحدث البكري عن جبل الحديد الذي يقع في نهاية حدود بلاد المصامدة وبداية مجال لمتونة. وقد ساعدنا كثيرا المؤرخ السوسي “عمر أفا” في جمع وتوطين مواقع هذه المناجم الموجودة في سوس في كتابه القيم ” مسألة النقود في تاريخ المغرب..” حيث خصص الفصل التاسع منه للحديث عن المناجم المعدنية في سوس ووضع لها خريطة مركزة. أما أحد الرحالة ” المخبر” الفرنسي الذي دعا الملك الفرنسي لويس السابع عشر إلى احتلال المغرب يقول له إن جباله غنية بالمعادن كالذهب والفضة والنحاس والحديد وأن جبال سوس خاصة لم تستغل بعد يمكن أن تنتج معادن ثمينة أكثر مما تقدمه أمريكا لاسبانيا… إذن الحديث عن المعادن في سوس ليس بجديد، وهو حديث لا ينتهي، وقد كانت جل الدول التي تناوبت على حكم المغرب تسعى أولا إلى السيطرة على هذه المناجم لأنها توفر لها مداخيل كثيرة عبر التجارة الصحراوية والأوربية، وكذلك في الصياغة التي كانت مزدهرة في سوس ثم في سك النقود والعملات، وقد اشتهر المرابطون بعملتهم الذهبية الدينار والفضية الدرهم، حيث أثارت نقاشات كثيرة بين الفقهاء (أنظر فتاوي ابن رشد) واستمرت عملة المرابطين حتى بعد سقوط دولتهم نظرا لقيمتها النقدية والمعدنية. ولا غرابة أن يكون أول مصمودي ثار على الموحدين وأسس إمارة مستقلة في سوس هو ” علي بن إيدر الزكندري”، لا غرابة، أن يكون من قرية “زكندر” حيث يوجد منجم الفضة الغزير والذي لازال مستمرا إلى اليوم في ناحية أسكاون إقليم تارودانت، “علي” هذا الذي أسس إمارة بني إيدر في سوس بعد الموحدين يمكن أن نسميها إمارة الفضة. ويعتبر هذا الثائر أول من استقدم القبائل البدوية العربية إلى سوس في صراعه مع السلطان الموحدي. (أنظر مقالة لمحمد المنوني.). إننا نحاول تقريب هذه المعطيات التاريخية للقراء الكرام، لتحليل ومقاربة بعض الأحداث السياسية التي نعيشها اليوم، وليس غرضنا هو إسقاط أحداث التاريخ على واقعنا اليوم، ولكن الغرض هو فهم جوهر العلاقة بين الدولة/المخزن مع القبائل/الجماعات الترابية. فجوهر قضية المعادن اليوم هو كيف يمكن للقبائل والمواطنين الاستفادة من مناجمهم ومن ثروات باطن أراضيهم. فعوض أن يشرح الوزير الرباح لرؤساء جزولة كيف يمكن للدولة أن تجعل من السكان شركاء حقيقيين في استغلال معادنهم، راح يتعسف في الكلام ويتحدث عن الجيولوجيا. فكان عليه أن يعلم أن هؤلاء السوسيون /”صنهاجة ومصامدة” قد أسسوا دولا قوية وحكموا كل بلاد المغارب والأندلس وذلك بفضل المعادن والمناجم. يقول “فرانسيس فوكوياما” في كتابه الأخير: الثقة مايلي : ” لًم نَعُد نملك اليوم أي آمال واقعية بالقدرة على خلق “مجتمع عظيم” عن طريق البرامج الحكومية.”

عبدالله بوشطارت.

رابط مختصر
2017-10-26
admino