رسالة إلى الإخوة في حزب العدالة والتنمية المغربي

adminoآخر تحديث : الخميس 20 أبريل 2017 - 6:17 مساءً
رسالة إلى الإخوة في حزب العدالة والتنمية المغربي
مبارك الموساوي

رسالة إلى الإخوة في حزب العدالة والتنمية المغربي

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

رسالة إلى إخواني في حزب العدالة والتنمية المغربي

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تمر أمتنا بحالة من التمزق المهول والحيرة الشديدة وهي تجتاز مرحلة تاريخية غاية في التعقيد والاستعصاء على الفهم.

ويشاء القدر الإلهي أن تكون أجيالنا شاهدة على هذه المرحلة، وأن تصاغ أفهامها، وحتى اجتهاداتها لمعالجة القضايا الكلية والجزئية، ضمن سياقات تتفاعل فيها عوامل وأسباب متعددة؛ منها ما هو منحدر من ماضينا الطويل، ومنها ما هو قائم ضمن حاضرنا الشاهد على ضعفنا وعلى تمزق معارفنا وعلومنا وأرضنا وإراداتنا، ومنها ماهو ثمرة إصرار الاستعمار على اختراقنا الشامل وحرصه على تحويلنا إلى كيانات فارغة من المعنى حتى تصير هياكل لا تصلح إلا أن توضع في متاحف التاريخ لتكون من مواضيع دروسه في البحث عن جواب: كيف يمكن تدمير أمة غيرت وجه العالم باستثمار عواملها الداخلية السلبية واقتحام وجودها وماهيتها بعوامل خارجية معدة لذلك؟

لقد راكمت القيادة التاريخية للتجربة الإسلامية الإصلاحية بالمعنى السياسي في المغرب مجهودا اجتهاديا مازال يحتاج إلى كبير جهد ليكون موضوعا للدرس العلمي الرصين، وليُقوم بالشكل المستقيم.

على رأسها قيادة حزب العدالة والتنمية التي كانت في أغلبها قيادة حركة إسلامية تعرف اليوم بحركة التوحيد والإصلاح.

ولقد كان من الخطأ الجسيم انتقال هذه القيادة شبه الكامل من قيادة الحركة إلى قيادة الحزب، وهو ما لم يسمح بالحفاظ على قوة الموقع الكفيل بمراقبة التجربة الإصلاحية في أدق تفاصيلها ومسار كلياتها ومنحها قوة الدفع اللازمة لما يتبين جدواها !!

نعم، إن فقد قوة هذا الموقع جعل حركة الحزب كما حركة الحركة رهينة الموقف والفعل السياسيين اللذين ترعاهما نفس القيادة، تقريبا، في ظروف غاية في التعقيد والدقة يمر بها الوطن.

لنترك هذا للتاريخ ولنضج التجربة الإسلامية للوقوف عليه بما يخدم إعادة بناء الأمة على قواعد الحرية والقوة والاستقلال بعد ما ينكشف حجاب الاستبداد القروني، أو على الأقل يقوض إلى حد يسمح بالتفكير والعمل المناسبين.

إن إدخال حركة الحزب والحركة بنسبة عالية تحت سقف الموقف السياسي الراهن سيقود حتما إلى تعارض جوهري بين مواقف من داخل التنظيمين أو بينهما مع مرور الزمن، كانت بعض تجلياته الكبرى اليوم لعبة “البلوكاج الناعم” التي تعلمون أنتم قبل غيركم من رعاها رعاية ناعمة حتى أفضت إلى ما أفضت إليه.

همي في هذه الرسالة الأخوية في زمن تواصلي شبه عبثي، أن أذكر بأن الارتهان المطلق إلى سقف الموقف السياسي في لحظة عصيبة انحجاب كلي عن المستقبل الواعد،  الذي يريد أن يظهره البعض ظلاما في ظلام اعتمادا على ما جرى ويجري في مجتمعات عربية وإسلامية من انهيارات كبرى بعد ماسمي بالربيع العربي.

إن الحكمة أن يكون الانسياب التلقائي للموقف السياسي ليجد مصداقيته في الواقع من عدمها، وأن ننظر بعيدا إلى مستقبل الأمة الجامع.

وعليه، فستدفع كثير من العوامل إلى نقاش داخلي يكون هدفه هو شق الحزب والعمل على تفتيته؛ لذلك أنظروا بعيدا بعيدا حيث اللقاء الجامع؛ لقاء العزة والقوة، لقاء الأخوة والمحبة، لقاء الصدق والصفاء والبذل والعطاء.

فحافظوا على وحدة الحزب وتقوية الحركة ليوم يكون قريبا إن شاء الله، والتفتوا في ظروفكم هذه إلى تجارب إخوانكم من الإسلاميين في المغرب وخارجه، خاصة اجتهاد إخوانكم في العدل والإحسان، وناقشوها من خلال الفقه العالي والمقام الغالي الذي يبحث عن الحق والصواب لا عن الغلبة وتبرير الاجتهادات السياسية حتى ولو ظهر عوارها.

قريبا سيصرح الأخ الكبير سي عبد الاله بنكيران: ياليتني لم أدخل تلك الحلبة الضيقة من السياسة، وياليتني أفنيت عمري في بناء جسم الحركة الإسلامية قاعدة البناء وشرطه المشروط.

واأسفاه! يقضي الإنسان أكبر قسط من عمره ليجد نفسه كليا مدافعا عن إجراءات إصلاحية تخص صندوق المقاصة والتقاعد وأمثالها من الملفات الجزئية جدا مهما كانت أهميتها وخطورتها، خاصة أن أصلها الفساد الشامل، الذي ضرب الوطن، وهوالابن البار للاستبداد المطلق والاستهانة بإرادة المواطن!

واأسفاه، وكأن وطننا الحبيب خال من الكفاءات والمتخصصين القادرين على مثل هذا وأكثر.

فأي مستقبل لما تنكشف لعبة المخزن، أو لعبة التحكم كما تعبرون، لرجل حاول صادقا أن يصلح فوجد نفسه كمن يصلح دراجة هوائية قديمة جدا ليكمل الطريق وبجانبه سيارة جيدة بإمكانه أن يركبها تسعه وتسع شعبه ويكمل المسير.

راجعوا، أيها الأحباب، بناء الجسم الدعوي ومعناه في الخطاب والممارسة، أما السياسة، بمعنى الكفاءة في تدبير الشأن العام وإدارته، فالوطن عامر بالكفاءات العظيمة المتخصصة والصادقة، التي لا تطلب في الباب إلا شرط الحرية التي لم تُحقق منها تجربة الإصلاح السياسي في المغرب، رغم زمنها الطويل، إلا فتات ما تجود به “مكارم” الاستبداد القروني الناخر لجسم الأمة فسادا وإفسادا، والذي لا يقبل أن يكون السياسي “المنتخب” من كثلته الانتخابية إلا موظفا سياسيا ساميا وكفى.

البناء الحقيقي بناء أجيال متكاملة المهام والأدوار، وليس بناء جيل همه الانكباب على ملفات تدبيرية عامة أو خاصة فقط، وهو محتاج إلى “ثورة حقيقية” في أنظمة التفكير السائدة وقواعده الكلية لتجديدها وإعادة بنائها بناء متخلصا من ثقل تاريخنا السياسي، ومن ثقل قبضة الاستعمار على النفس والعقل والإرادة.

 ولهذا، فأنتم لستم كثلة انتخابية فقط، مهما كان حجمها، وإنما يجب أن تساهموا في بناء القوة المجتمعية عوض أن تُفرغ كل الجهود لبناء كتلة سياسية قابلة للتفتت باعتبار الموقف السياسي الذي تتحكم فيه سياقاته وظروفه.

كونوا في صف المستضعفين المساكين المحرومين ولا تقبلوا أن يكتب التاريخ عنكم غير ذلك.

حافظوا على تماسككم ووحدة تنظيماتكم وانظروا بعيدا ولا ترهنوا حياتكم الحركية بموقف سياسي قد تفرض عليه الظروف أن يتغير، ولا بإرادة سياسية لأي شخص مهما كان، ولا بحكومة ماهي إلا مجموعة موظفين سامين مهمتهم تدبير ملفاتها المحددة، وانتبهوا إلى أن المستقبل لن يكون رهين تحالفات سياسية لحظية، وإنما رهين القوة المجتمعية المبنية على وضوح والتي تستطيع أن تحمي الجميع من الانهيارات الكبرى، وأن تنتزع مطالب الشعب المغربي.

 وانظروا، أيها الأحباب، أي معنى لهذه القوة، وأي أفق لها حسب ما تحملون من مشروع، وأنتم تعلمون أن سنن التاريخ، بل أقدار العلي الحكيم سبحانه، لا تجامل أحدا ولا تحابيه.

والله غالب على أمره، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من أخيكم مبارك الموساوي

رابط مختصر
2017-04-20
admino